الديك الفصيحالعناوين الرئيسية

عووووو جدّاً كثيراً طال عمركم .. غسان أديب المعلم ..

 

لا مجال للفراغ أو الراحة أبداً .. فما إن تهدأ موجة سخرية السوريّين على مواقع التواصل الإجتماعي أو أحاديث الشارع من قرارٍ حكوميّ، أو بيانٍ أو تصريح لمسؤول، حتى تعاود الحكومة إصدار قرارٍ جديد لا يترك حيّزاً للفراغ أو تناول قسطٍ من الراحة من السخرية!،

أمّا آخر إبداعات الحكومة العصريّة فكانت دعوتها للمواطنين الذين يملكون الكلاب لتسجيل كلابهم في دوائر نفوس الدولة المُستحدثة المُخصّصة لهم، وكذلك الحصول على بطاقة تعريف لهذا الكائن، مع فرض ضريبة على السيد الكلب يدفع بموجبها صاحبه مبلغاً من المال سنوياً لقاء اقتناء هذا الحيوان والعناية به! وفوق هذه الدعوة هناك تهديد مباشر من قبل الحكومة بموجب القانون بعد الفصل العنصريّ للسادة الكلاب بين كلب مدعوم وكلب مستبعد وكلبٍ شارد، بأنها ستحتجز الكلاب غير المسجّلة، وتعتبرها خارجة عن القانون، وستحتجزها في دار أيتام الكلاب المُستحدثة أيضاً لأجلهم!، وقد يُعاقب الكلب المملوك بعدم رؤية صاحبه مرة ثانية، مع السجن في الميتم الحيواني، حتى يتقدّم صاحبه بطلب إخلاء سبيل لحضرته في المحاكم المختصّة بعد دفع الضريبة والغرامة!.

وفي حال عزوف المالك عن إجراء المعاملات القانونيّة فقد يغدو مصير هذا الكلب كمصير البطل في الأفلام الهنديّة بحيث أنه ينتصر على الجميع ويعيش في سبات ونبات، فالحكومة، وبحسب بيان وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي قبل عامين، تصدّر هذه الحيوانات للدول الأوربيّة، وتراوح عدد الكلاب المُصدّرة بين المئة حتى خمسة آلاف كلب، وصلوا إلى ألمانيا في تلك السنة!.

تجدر الاشارة هنا إلى تصريح أحد المُهتمّين بهذا الشأن بأنّ النيّة ذاهبة باتجاه إنشاء معملٍ مخصّص لصناعة طعام الكلاب والقطط!، وذلك بعد أن حذفت الوزارة السابقة قبل ستة أعوام طعام الكلاب وبعض الحيوانات الأخرى من قائمة المستوردات.

وعليه .. فإن السيد الكلب ابن السلالة المدعومة في سوريا يتمتّع بميّزات ربّما لا يتمتّع بها كائن حيّ في هذه البلاد!، فقد أصبح لهذا الحيوان اسم وبطاقة وسجلّ عائلي وبالتأكيد سيكون محطّ اهتمام صاحبه الذي يقع عليه عبء دفع ضريبته السنويّة ومعاملات إخراج قيده ولقاحه وصولاً لتكاليف زواجه وإقامة حفل زفاف.

وفي حال خروجه عن القانون سواءً بهجران صاحبه أو عزوفه عن إجراء المعاملات القانونيّة، أو عدم دفع المخالفة وفكّ أسره بعد إلقاء القبض عليه متلبّساً بالجرم المشهود بعدم حمله للبطاقة، فسيكون أمام مصير رائع، هو بمثابة حلم لدى أغلب المواطنين، فالحكومة الميمونة ستقوم بتصديره بعد الاعتناء به واستصدار إخراج قيد ودفتر عائلة لسموّه وسينتقل السيد الكلب حينها بعد شروده في أزقّة الشوارع وبين حاويات القمامة ليجد نفسه في هولندا أو الدانمارك!.

أمّا حضرات الكلاب الشاردة المُتسكّعة في الطرقات بدون نسب معروف وسلالة أصيلة، فهي في مرمى استهداف الحكومة كما تقول وزارة الزراعة في بيانها، لكن في حقيقة الأمر أن هذه الفئة رغم أنها سيئة السمعة والسلوك (وأقصد الكلاب الشاردة وليست الحكومة) فإنها تتمتّع بمزايا قد يكون امتلاكها أيضاً حلماً للمواطن، فالسيد الكلب الشارد لا يحتاج لفيزا أو تأشيرة دخول عندما يخطر على بال حضرته الهجرة ولا حتى لدفع ثمن تذكرة طائرة، حتى أنّ فخامته لا يتعرّض للمضايقة أثناء تجاوزه الحدود برّاً سواء من المخافر الحدوديّة أو حتى شرطة البلاد المجاورة!.

وفي حال كان على قدرٍ من الجمال فقد تحضر الفكرة بتسليم نفسه موجوداً للحكومة مع الاعتراف بذنبه في الشرود عن صاحبٍ وهميّ، وسيجد نفسه أيضاً في أوروبا بعد أن ضاقت به سبل المعيشة في الوطن، بعد عناء البحث في حاويات القمامة ولم يجد بها ما يسدّ الرمق والجوع!!.

على كلّ حال .. وضمن موجة سخرية السوريّين، كانت أيقونة السخرية أو التهديد أو الوصف عند السوريّين بالعبارة المألوفة: “ستعيش أو يعيش عيشة الكلاب”، أمّا اليوم، وفي ظلّ الأسعار الرائجة للمواد الأساسيّة لتمرير النهار بأقل الخسائر عند تأمين مستلزمات المعيشة، وتحت ظلّ الاهتمام الحكوميّ بالكلاب وسعيها لتأمين النعيم والرخاء لحضراتهمن (وأقصد الكلاب)، فيبدو أنّ الأيقونة الجديدة عند السوريين ستكون: “اللهم لاحسد”.

في الختام .. ياحكومة، “ياحنيّنة وكلّك طيبة”، لا بأس بقوانين تنظيميّة من هذا النوع، ولا خلاف على الضريبة والتسجيل والمخالفة .. ونعلم بأنّ أحد مقاييس الحضارة والرقيّ هو الاهتمام والرأفة بالحيوان .. لكن ماذا عن الرأفة بالانسان؟.

ليت نصف أو ربع اهتمامكم وتفكيركم بالكلاب ينصبّ على هذا المواطن السوريّ الذي يرزح تحت خطّ الفقر وضاقت عليه الأرض بما رحبت!، ولا تستغربوا في ظلّ ازدياد وقاحتكم أن تصل إلى مسامعكم أو مقرّات إقامتكم عواء بعض المواطنين، لعلهم يحظون بهذه الرعاية الكريمة والحنان الزائد من حضرتكم وسموّكم وفخامتكم (أقصد الحكومة وليست الكلاب).

عووووو جدّاً كثيراً طال عمركم.

 

*كاتب وروائي من سوريا – دمشق

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى