اتفاق مكة للدفاع المشترك .. حَمَّال أوجه
اتفاقٌ غير قائم على وحدة التهديد، وإنما على تكامل الاحتياجات

أسئلة كثيرة، وسيناريوهات أكثر، هي أول ما يثيره اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي تم الإعلان عن توقيعه بين السعودية وتركيا وباكستان، ومن الصعب هنا اختيار أهمها لمحاولة الإجابة عليه، فذات السؤال يمكن أن يكون له إجابات تعتمد على مسارات فهم لهذا الاتفاق عديدة ومختلفة وقد تكون متناقضة، أما السيناريوهات المحتملة فحدث ولا حرج.
الصعب هنا هو إيجاد الإجابات الصحيحة التي تمتلك الحجج والدلائل التي تدعم صحتها، فكل السيناريوهات المحتملة يساق فيها من الحجج والدلائل ما يدعم سرديتها وصحتها بالقدر الذي قد نجد ما يقوضهما، وهنا يكون من الأجدى العمل على فهم المشهد بكامل مفرداته، إن أمكن، لاستقراء خلاصة قادرة على إرضاء محاولات الفهم لما يُطرح من أسئلة وسيناريوهات، بغض النظر عن الأرضية الفكرية أو العقائدية أو السياسية التي يستند إليها الباحث في ذلك.
كل اتفاق دفاع مشترك بين عدد من الدول يَفترض في الأساس أن هنالك عدو مشترك، أو أكثر من عدو، أو أن هنالك تهديدات ومخاطر جسيمة تهدد بشكل مشترك هذه الدول، فمن هو هذا العدو المشترك؟، وما هي هذه المخاطر والتهديدات المشتركة، للدول الثلاث، السعودية وتركيا وباكستان؟.
لننظر إلى المشهد بشكل كامل في المنطقة، ونعدد المخاطر التي تهدد هذه الدول الثلاث :
- إسرائيل، قد تكون التهديد المشترك الوحيد الحقيقي والأخطر لهذه الدول، لكن لا بد هنا من الإشارة بوضوح إلى العلاقات الاستراتيجية تاريخياً بين تركيا وإسرائيل، التي وصلت حد توقيع اتفاقيتي تعاون دفاعي في تسعينيات القرن الماضي، واستمرت هذه العلاقات حتى سنوات حكم أردوغان الأولى التي زار فيها إسرائيل، لكن هذه العلاقات تضررت وبدأت بالتذبذب منذ عام 2010 بسبب جرائم إسرائيل في غزة، لتعود العلاقات طبيعية عام 2018 وعام 2022، لتعود وتنهار بعد 07 أكتوبر 2023، ومع ذلك لم تنقطع القنوات الأمنية والاستخباراتية بينهما في قضايا معينة تهم البلدين.
كما أنه لا بد هنا من طرح تساؤل مهم فيما يتعلق بتركيا وهو: هل تحتاج تركيا العضو المهم في حلف الناتو إلى مظلة دفاعية جديدة لا يمكن مقاربة إمكانياتها وقدراتها بالمظلة الدفاعية الناتوية التي تظلل تركيا منذ تأسيس الناتو؟.
ورغم كل ما سبق، يبقى السؤال الأهم الذي يفرض نفسه، هل ستسمح أمريكا لأي اتفاق في المنطقة أو في العالم أن يشكل أي تهديد على أي مستوى لإسرائيل؟!. - إيران، الاختلاف واضح بينها وبين السعودية التي تعتبر إيران خصماً إيديولوجياً، وتهديداً مباشراً لها، وتتعرض لهجمات صاروخية من إيران وحلفائها ضمن سياق الحرب الأميركية الإيرانية في المنطقة، إلا أن إيران لا تشكل أي تهديدٍ على تركيا وباكستان، بل هما حلفائها إلى حدٍ كبير، وشركائها أيضاً على الكثير الصعد، وأكد ذلك وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار حين قال إن الاتفاق دفاعيٌ بحت، وغير موجهٍ ضد إيران، وهو ما أشار إليه وزير خارجية تركيا هاكان فيدان أيضاً، فهل من الممكن أن تشارك تركيا وباكستان في أي رد عسكري مع السعودية على إيران في حال طلبت االسعودية ذلك؟.
- الحوثيون، لا يمكن اعتبار أنها يشكلان أي تهديد مباشر على تركيا وباكستان إلا فيما يتعلق بتأثير إغلاق مضيق باب المندب على التجارة والاقتصاد، أما السعودية فتعتبر الحوثيين تهديداً مباشراً لها، وإن لم يصل إلى درجة التهديد الوجودي، وهنا أيضاً يجب البحث عن إمكانية مشاركة تركيا وباكستان في أي رد عسكري على الحوثيين في حال تم قصف أي هدف داخل السعودية من قبلهم، ونحن نذكر أن التحالف الذي أعلنته السعودية عام 2015 لضرب الحوثيين، أعلنت فيه أن باكستان ضمن هذا التحالف، إلا أن باكستان نفت هذه المعلومة، ورفضت االمشاركة في التحالف الذي أعلنته السعودية حينها.
- أذرع إيران في المنطقة، حزب الله في لبنان، والفصائل العراقية المرتبطة بإيران، أيضاً لا يشكلان عملياً أي تهديد كبير مباشر لأي من الدول الثلاث، لكنها تشكل تهديداً حقيقياً على إسرائيل والقوات الأميركية ومصالحهما وقواعدهما في المنطقة المتواجدة على الأراضي الخليجية، لكن ليس من المعقول أن تشارك دول اتفاق مكة في قصف العراق أو لبنان بذريعة قصف أذرع إيران في المنطقة، فهنا يواجهون ذات إشكالية صحة الذريعة التي تبرر قصف القواعد الأميركية على أراضي دول الخليج.
- باكستان، تعتبر الهند تهديداً مباشراً وعدواً تاريخياً لها، لكن بالنسبة للسعودية ولتركيا فلا تشكل الهند أي تهديد لهما، بل على العكس هنالك علاقات اقتصادية وسياسية جيدة فيما بينهم، فإلى أي مدى يمكن القول أن تركيا والسعودية ستشاركان في هكذا حرب لو وقعت بين باكستان والهند؟، وهل تحتاج باكستان عملياً لهذين الحليفين في ظل علاقات استراتيجية وشراكة مع الصين تصفها بكين رسمياً بأنها شراكة تعاونية استراتيجية في كل الظروف؟.
- قد تطرح بعض العداوات البينية ضمن دول الخليج، لكنها لا تصل إلى مستوى أن يكون هنالك ضرورة لاتفاقية دفاع مشترك للتدخل فيها، وهنا نتحدث عن قطر والحالة التي تمثلها ضمن مجلس التعاون الخليجي، قطر التي تستضيف على أرضها إضافةً إلى أكبر قاعدة عسكرية أميريكية في المنطقة، قاعدة عسكرية تركية، وتربطها علاقات مميزة مع باكستان الشريكة الوثيقة حالياً في الوساطة بين أميركا وإيران.
ثم، في أي اتفاق دفاع مشترك يمكن اعتبار أهم بند في الاتفاق هو البند الذي يحدد بشكل قانوني وتفصيلي متى يتم تفعيل قرار المشاركة بالرد على العدوان، وطبيعة هذه المشاركة، عسكرية كانت أم باشكال أخرى.
وزير الخارجية االتركي هاكان فيدان أوضح هذه الفكرة حين قال إن الدعم يمكن أن يبدأ بتبادل المعلومات الاستخبارية، ثم دعم لوجيستي، وتعاون في الصناعات العسسكرية الدفاعية، ثم الدعم العسكري المباشر، وهذا يقودنا إلى أن أحد أهداف هذا الاتفاق هو بناء صناعة عسكرية “دفاعية” مشتركة، يعطي للسعودية حصة وحضور في التصنيع العسكري، ويمكن أن يكون هنالك توطين لبعض الصناعات في السعودية، ويعطي لتركيا وباكستان ما تبحثان عنه من تمويل يدعم صناعاتهما العسكرية ويدعم اقتصاداتهما المتعبة، وهنا يمكن أن نلمس الدور الأميركي الذي يحقق عبر السماح بتشكيل اتفاق مكة، رغم عدم مشاركته فيه، يحقق معادلة ترضي الأطراف الثلاثة، وتجعل السعودية وتركيا وباكستان يشعرون أن هامش الاستقلال عن الأميركي يتسع، رغم أن هذا الاستقلال ما زال يتحرك داخل بيئة استراتيجية تمتلك الولايات المتحدة قدرة استثنائية على تحديد حدودها.
كيف يمكن فهم هذا الاتفاق بشكل أعمق، وما هي مبررات تشكيله، وما هي أهدافه؟.
ننطلق من الواقع الحالي في المنطقة، والمعطيات والمتغيرات الجديدة التي طرأت عليه، ومن شبكة المصالح السياسية والاقتصادية وتقاطعاتها وتبايناتها وتناقضاتها، ومن حالات الاختلاف والعداوة والتنافس النزيه وغير النزيه، وصراع الأقطاب العالمية الكبرى والإيديولوجيات والحضارات والامبراطوريات والعقائد والسرديات والاستراتيجيات والأحقاد والثأريات، واقعٌ متخمٌ بكل ما يجعل من هذه المنطقة عصيَّة على الاستقرار والسلام حتى الآن.
في هذا الواقع، وبالاستناد إلى ماضٍ قريب، ومستقبل بعيد، نرى بكل وضوح أن الطرف الأقوى والأكثر حضوراً وتأثيراً فاعلاً هو الأميركي الذي ترتبط يه، طوعاً أو قسراً، كل أطراف المشهد، ويتحكم بشكلٍ أو بآخر بغالبية تفاصيل المشهد، فيغذي من يريد، ويخنق من يريد، وتتم ترجمة القرارات الأميركية بأكثر من طريقة وأكثر من آلية، تبعاً لمصلحة الأميركي ووفق الأسلوب الذي يناسبه، لذلك عند قراءة وتحليل هذا الواقع لا يمكن فهم أي حدث أو تشكيل صغير أو كبير فيه إلا باعتبار أن الطرف الأميركي لا بد أن يكون له يد فيه بطريقةٍ أو بأخرى، لماذا؟ لأنه من الصعب أن نرى طرفاً أو تجمعاً، صغيراً كان أو كبيراً، يتحرك ويعمل بشكل مستقل عن التأثير الاميركي، وحر بالكامل في إدارة شؤونه ومساراته وخياراته، وإن اعتقدت بعض الأطراف أنها امتلكت هذه الحرية أو جزءاً منها، لأننا عندما نوسع منظورنا قليلاً، نرى بوضوح أقرب نقطة ارتباط طوعي أو قسري بالأميركي، حينها يجب عدم البناء على قدرة أي طرف من أطراف هذه الشبكة على التفلت الكامل من “براثن” الأميركي.
إذاً، ما هي مصلحة الاميركي من اتفاق مكة للدفاع المشترك؟، بل يمكن القول: ما هو الدور الأميركي في هذا الاتفاق، وما هي غايته، وهل كان سيسمح بهكذا اتفاق إن كان سيشكل بأي شكل من الأشكال خطراً أو تهديداً حقيقياً على مصالحه وخططه، أو مصالح وخطط حليفه الرئيس وشريكه الوحيد في سياساته واستراتيجياته في المنطقة، إسرائيل؟.
من الطبيعي أن نعرف أن الأميركي ليس بحاجة لأن يكون طرفاً في هكذا تحالف طالما أن أطراف هذا الاتفاق تربطها فيه روابط واتفاقيات وشراكات تضمن عدم خروج هذا الاتفاق على الضوابط الأميركية، رغم الهامش الذي يمتلكه كل طرف منهم بشكل منفرد، والهامش الذي قد يمتلكونه مجتمعين بعد هذا الاتفاق، فهل يمكن لثلاثة حلفاء تاريخيين في شبكة النفوذ الأميركية في المنطقة العربية والأسيوية، أن يشكلوا أي تحالف خارج إطار الاستراتيجيات الاميركية؟، من المؤكد أن هذا السؤال لا ينتظر إجابة.
أهمية اتفاق مكة بالنسبة للأميركي تأتي من كونه يزيح عن كاهله أعباء كثيرة تمنحه المزيد من القدرة على تحقيق غايات له في المنطقة دون أن يعرض جنوده ومعداته وقواعده لأي خطر، ودون أن يكلف نفسه أعباء ونفقات مالية في سبيل ذلك، حيث قد ينوب عنه في بعض ما يريد تحقيقه في المنطقة وكلاء أو حلفاء أو شركاء، وبها يحقق الأميركي مجموعة من المكاسب بتكلفة أقل على كل الصعد.
من المهم أيضاً أن نناقش فكرة تقول إن الحرب التي يشنها الأميركي وشريكه الإسرائيلي على إيران، وصل الأميركي فيها إلى قناعة بإن هذه الحرب لا يمكن أن تنتهي باستخدام القوة العسكرية، مهما كانت ضاربة وغاشمة، لذلك أصبح تركيزه الأكبر الآن على إنهاء هذه الحرب عبر التفاوض، لكن بشروطه، كما يتمنى، وتحت أقصى الضغوط العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والإعلامية، وعبر مراكمة أوراق ضغط إضافية، منها مثلاً هكذا تحالفات، من المفترض أن تسهم في تضييق الخناق على الإيراني، عبر إغراء أو توريط أو إلزام حلفاء تقليديين له، ومقربين منه مثل تركيا وباكستان وغيرهما، باتفاقات تجعلهم أكثر قابلية للتخلي عن دعم إيران لصالح مكاسب واستراتيجيات يرونها أكثر أولوية بالنسبة لهم، ومن أوراق الضغط التفاوضي أيضاً ما يجري في سوريا والعراق ولبنان، وما يجري في المسألة الكردية في المنطقة بشكل عام، التي تعتبرها تركيا أم القضايا الشائكة الداخلية، والخطط المستقبلية المطروحة من الأميركي حول إمكانية استخدام ورقة الأكراد للتأثير على الداخل الإيراني، فالأميركي لن يهدأ له بال في إيران حتى يحقق حلم إسقاط الدولة الإيرانية، من الخارج أو الداخل، ولو على المدى الطويل، ويُعوِّل الأميركي في ذلك على أكراد إيران بدعم خارجي قد تضطر تركيا أن تكون في قلبه، رغم إدراكها الكامل لخطورة اللعب بهذه الورقة على الداخل التركي.
إذاً، يمكن فهم اتفاق مكة للدفاع المشترك على أنه يحقق لأطرافه الثلاثة مصالح مشتركة ومصالح منفردة تختلف من طرف إلى آخر، دون أن يكون هذا الاتفاق يستهدف أي طرف خارجي محدد، وهو اتفاق يتقاطع في مواضع عدة مع الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، لا يستهدف الإسرائيلي بشكل معلن، لكنه يسعى إلى تقليص تفوقه في المنطقة، بالتوازي مع ذلك يشكل هذا الاتفاق تهديداً غير عسكري وغير مباشر لإيران وحلفائها على المدى الطويل.
على جانبٍ آخر، يبدو أن الاتفاق غير قائمٍ على وحدة التهديد، وإنما على تكامل الاحتياجات، وهنا يمكن اعتبار هذا الاتفاق منصة مصالح استراتيجية متعددة الوظائف، وبمثابة “منتدى مكة للدفاع المشترك”، حيث تتقدم كثير من المجالات والمهام: تبادل استخباري ومعلوماتي، تنسيق أمني، تدريب ومناورات، لوجستيات، تعاون تكنولوجي، صناعات دفاعية مشتركة، استثمارات وتمويل، توطين صناعات عسكرية، مشتريات وتسليح، تنسيق سياسي، على التدخل العسكري المشترك باعتباره الخيار الأقصى وليس بالضرورة الوظيفة الأساسية للاتفاق.
طارق عجيب
رئيس التحرير
صفحتنا على فيس بوك



