رأي

عن مجتمع مدني مستولد وتحت الطلب!! .. د.إنصاف حمد ..

 

تمخضت الحرب على سوريا عن اختراق ناعم، لكنه لا يقل وطأة عن السلاح من حيث خطورة نتائجه، عبر ما دعي بمنظمات المجتمع المدني، ليتكشف عن مسخ مشوه، لا يمت بصلة إلى مسماه، ولا علاقة له بكل الأدبيات التي أسست له مفاهيمياً ودلالياً بدءاً من جون لوك وروسو مرورا بهيغل وصولاً إلى غرامشي، إلا بالاسم، ومن هنا يمكن ان نفهم  المسوقين له والمشتغلين على تخليقه يهربون من تعريفه وتحديده بوصفه أمراً نافلاً وغير ذي أهمية مستفيدين من الغموض والالتباس اللذان يكتنفانه، قافزين مباشرة إلى الحديث عن الدور المنشود له ومهامه المنتظرة.

وهذا الأمر لا يتعين في الحالة السورية فقط، بل ينسحب على كل عمليات استيلاد مجتمع مدني واستنباته بشروط قسرية وغير طبيعية في بيئات ودول يراد فيها إحداث تغيير يتوافق ويتكيف مع متطلبات الناهب العالمي وإحكام هيمنته، والدليل على ذلك هو رعايته من قبل الوكالات الدولية للتنمية والديموقراطية، على اختلاف تسمياتها، المرتبطة مباشرة إما باستخبارات الدول الغربية وبوزارات خارجتيها أو دفاعها، كتلك الوكالات الامريكية والألمانية والسويدية والهولندية والنرويجية وغيرها، أو المرتبطة مباشرة بأشخاص يتبعون تلك الجهات وينفذون أجندتها كالوكالات التي تتبع للملياردير سوروس وأشهرها منظمة كانفاس الصربية وفروعها المختلفة.

بدأت هذه العملية الممنهجة لاستنبات مجتمع مدني تحت الطلب بشكل ملموس مع بدايات هذا القرن بالترويج للمصطلح بطريقة خلاصية والتعظيم من شأنه ودوره على حساب تخطي دور الأحزاب ودور سلطة الدولة عبر الحديث المتكرر عن نهاية الأيديولوجيا، وعبر رعاية هذه الوكالات ذات الجذر الاستخباراتي لمئات بل آلاف الندوات والمؤتمرات والدراسات التي تخدم هذا الهدف وتمويلها بسخاء منقطع النظير، ليلي ذلك مرحلة التدريب والتأهيل لمن سيتولون قيادة العمليات وتخليق هذا المجتمع المدني المطلوب عبر تأسيس منظمات غير حكومية تعمل لتنفيذ الأجندة الغربية تحت شعارات براقة مثل الديموقراطية وحقوق الإنسان والمرأة والطفل والفئات الهامشية والمهمشة والحد من الفقر وغير ذلك من عناوين أخاذة، صممت خصيصاً لتمارس تأثيرها على العقول خاصة الشباب الباحثين عن دور، ولتلقى هوى وقبولاً عند كثيرين انساقوا إليها دون وعي أو إدراك لحقيقة أهدافها ومقاصدها التي تخفي في طياتها برامج وأهدافاً سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وأمنية، ضمن استراتيجيات الحرب الناعمة كإحدى أذرع الهيمنة لليبرالية الرأسمالية المعولمة.

يستطيع المرء دون كثير عناء أن يتلمس بسهولة الدور الملتبس والاحترافي المرتهن للخارج لما يدعي المجتمع المدني ومنظماته غير الحكومية  NGOs في كثير من الدول التي جرى العمل على تغيير سلوكها أو أنظمتها بانقلابات مموهة تحت مسمى الثورات الملونة التي قادتها هذه المنظمات، والأمثلة أكثر من أن تحصى بدءاً من دول أوربا الشرقية إلى بعض دول أمريكا اللاتينية وبعض الدول الآسيوية وصولاً إلى أحداث ماسمي بالربيع العربي بأطواره المتعددة، وهذا ليس حديث خرافة أو توهمات وتهويمات من وحي نظرية المؤامرة كما يراد تصويره عادة، بل هو حقائق ووقائع كشفتها وثائق ويكيلكس ووثائق الجيش الأمريكي التي تضمنت إشارات وأدلة كثيرة حول دور المنظمات غير الحكومية وتمويلها من قبل الوكالات المانحة وتحديد أدوارها ومهامها لتكون بمثابة حصان طروادة لخدمة الأهداف الامريكية والغربية.

من هنا يمكن أن نفهم سبب إصرار الدول الغربية، في سيرورة الحرب على سوريا، على حصر تعاملها مع هذا المجتمع المدني، فهو ربيبها ومنفذ أجنداتها، وقد أبلى بلاءً حسناً في تنفيذها، ولنا فقط أن نلقي نظرة على المناطق التي سيطرت عليها ما يسمى المعارضة أو تلك التي في دول اللجوء خاصة غازي عنتاب في تركيا، و لنرى العدد المهول للمنظمات التي انتشرت كالفطر بفعل عملية الاستيلاد والاستنبات ولنا أن نتخيل المليارات التي صرفت عليها تمويلاً وتدريباً ودعماً لوجستياً وإعلامياً سياسياً، وهي في الواقع إنما أنشئت لأغراض وغايات سياسية محضة مناوئة للدولة السورية وهذا هو شرط قيامها واستمرارها، وهذا الأمر لا يمكن  أن يخفى إلا عن من لا يريد أن يرى ويتبصر، هذه الحقيقة لم يستطع حتى بعض المعارضين إنكارها، فضلاً عن الإقرار بأن ما يجمعها ليس فقط الطابع السياسي الباحث عن دور مستقبلي في الحكم بدعم خارجي، بل أيضاً الاستحواذ على التمويل الخارجي المهول، وانتشار الفساد وانعدام الشفافية وغياب الاستقلالية في ظل التبعية للخارج، فحيث يوجد تمويل يوجد شروط يفرضها الممولون، ويمكن العودة هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى كتاب حسيبة عبد الرحمن (غزو المصطلحات -المجتمع المدني السوري نموذجاً) للاطلاع على بعض ما يحدث في ما سمي مغارة علي بابا، وتظهر وثاىق أفاز وآراك فضائح استخباراتية من العيار الثقيل عن ما قدمته بعض منظمات المجتمع المدني من دراسات من المفترض أنها لا تمت بصلة إلى صلب مهامها المعلنة، مثل الدراسة الجغرافية لحقول النفط ومحطات توليد الطاقة الكهربائية وغيرها، والمفارقة أن بعض التقارير لم تستطع إنكار وجود فساد متبادل بين المنظمات المحلية وتلك الخارجية التي تمولها، وهذه الأخيرة عملت جاهدة لإخفاء الطابع السياسي للمنظمات التي تمولها حتى تتمكن من رصد التمويل دون صعوبات قد تثيرها معرفة مواطنيها لهذه الحقيقة.

وإذا كانت الحال هذه في منظمات المجتمع المدني في مناطق خارجة عن سيطرة الدولة السورية، فماذا عن منظمات المجتمع المدني الموجودة في مناطق سيطرة الدولة؟، في الحقيقة يمكن تمييز صنفين منها، صنف هو بمثابة فروع وامتدادات لتلك الخارجية، وإن بتسميات مغايرة لتمويه الصلة، وأنشطة أقل إثارة للجدل من حيث الدلالة السياسية، والدليل على ذلك هو انعدام الشفافية في مصادر تمويله وصرف ميزانياته وهو الأخطر لأنه مموه ويمارس تأثيره في الداخل، وصنف آخر يبدو وطني التوجه وبعيداً عن الارتهان لأجندة خارجية، إلا أنه يتسم مثل سابقه بغياب الشفافية في الإفصاح عن مصادر التمويل، ومهما بذلت من جهد ربما لن تجد منظمة أو جمعية تعلن بوضوح ودقة على مواقعها أو صفحاتها عن ميزانياتها ومصادرها وطرق صرفها وتمويل أنشطتها وفعالياتها، وقد يكون الأمر متصلاً بالافتقار إلى معايير الحوكمة هذا إذا ما افترضنا حسن الظن، أو أنّ وراء الأكمة ما وراءها !.

باختصار شديد ، صك البراءة يكمن في الإفصاح، وفي ظل غيابه يبقى صحيحاً القول : قل لي من يموّلك أقل لك من أنت وعلى أي ضفة تكون.

أخيراً، ليس الهدف مما تقدم إعلان موقف من مجتمع مدني بالمطلق، وإنما تسليط الضوء على الإشكالات التي اكتنفت عملية استيلاده في بلدنا والبلدان المشابهة لنا، وبالنسبة لي يبقى المجتمع المدني المعوّل عليه هو النقابات والاتحادات والروابط والجمعيات المهنية والثقافية ذات التوجه الوطني الواضح والصريح، والتي تستمد استقلاليتها وقوتها من مصادر تمويلها الذاتية المصرح بها بشكل لايقبل اللبس أو التأويل.

*باحثة وأكاديمية سورية – دمشق
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى