العناوين الرئيسيةرأي

الوعي الشأني بين الديني والسياسي… علي .أ. دهيني

 

الوعي الشأني بين الديني والسياسي

الوعي في عنوانه العريض هو الانتباه من السبات إلى اليقظة. من الخمول إلى النهوض. من العبثية إلى المنهجية. الخروج من واقع الإملاء إلى النقد والتحليل. وبناءً على تجريدية الوعي كعنوان، فهو مبتدأ لعنوان آخر ملازم له مثل: الوعي الاجتماعي. الوعي السياسي. الوعي الديني.. إلى ما هنالك من متلازمات لهذا العنوان. دون أن نهمل الوعي الذاتي الشأني، أو الذاتية لارتباطها بالفلسفة.

في جلسة ممالحة صباحية على مائدة إفطار قروية، جمعت ثلّة من الأقارب والأصدقاء انصرفت فيها الألسن إلى الحديث بعد أن فرغت الأيدي مما تناولت والأفواه مما استقبلت، وبدأ الكلام يتدرج بأطراف الحديث، متنقلاً بين موضوع وآخر. وبعد إصغاء وتنقل بين الوجوه، قلت إن ما أسمعه إنما يُنبي بدرجة الوعي الذي كسبته هذه العقول الشابة، لماماً، مما يجري حولها من جديد الأحداث الطارئة، مع ما تراكم في ذاكرتها من موروث تأبى التخلي عنه لتجذره في انتمائها البيئي والعقيدي. وهو يندرج في الوعي الذاتي الشأني غالباً. وكون الحديث غالباً كان حول مفاهيم دينية لها هويتها الخاصة، وإسقاط هذه الهوية على الواقع السياسي، استنكر بعضهم توصيفي بأن ما يندرج من حديث هو “وعي” كسبته هذه العقول الشابة. وقال أين الوعي وكل ما يدور من حديث هو استغراق في الانتماء إلى الموروث، الذي لم يتبدل فيه سوى الألفاظ والأشخاص والوجوه ليس إلاّ، وما زال التعصّب والعصبية لبيئة الانتماء هو الغالب بعيداً عن الانفتاح على متغيرات وحاجات المجتمع. المتحدث كان حديثه من منطلق ديني، ودفوعاته تنطلق من أن الموقف أو الجهة التي يتبنى رؤيتها، تنطلق في سياستها من خلال الدين، وليس العكس، وهذا يعوّل عليه التغيير إلى الأفضل وإحقاق الحقوق، لأن الميزان الديني، عنده، هو القوس الذي يؤمن سلامة المجتمع. وكان بيانه يشير في هذا إلى جهة دينية معينة.

المستنكر لوسم هذا الموقف بالوعي، ينطلق من رؤية سياسية رافضة لرؤية سياسية أخرى، ولو كانت تنطلق من مفاهيم دينية، واعتبر أن موضوع الدين مسألة ذاتية للفرد في المجتمع وليست مرجعية لإدارة البلاد، وذلك لأن المجتمع يتشكل من إثنيات ذات ثقافات وأيديولوجيات وعقائد متنوعة، وعلى هذا لا يجوز أن ينبري مرجع عقائدي لقيادة وسوس المجتمع من خلال رؤيته، حتى ولو أنه تمكن أن يقود ثورة وينجح، ولا يمكن إسقاط واقع على واقع آخر. فهل هناك “وعي” في مجتمعنا؟ في الواقع إن موضوع “الوعي” عموماً، ليس محدداً في أمر واحد، إنما هو إدراك لجملة من المكتسبات الثقافية والمعرفية دون تحديد هوية هذه الثقافة أو تلك المعرفة، فالوعي يتشكل من جملة الأشياء في الواقع المحيط، وتتوسع مع تقدم المكتسبات، ناهيك عن أن من شروطه، ومكتسباته، قبول الآخر، وهذا القبول عنوانه الأول الحوار بين وجهتي نظر مختلفتين في الرؤيا، وفي المنطلق حتى. وليس شرطاً أن يرتبط هذا “الوعي” بتوافق وجهات النظر وتوحيد الرؤى في موضوع، بينيّ، عند الحوار بين المتحادثين، بمعنى إذا كنت لا أتفق معك في وجهة نظرك لأمر من الأمور، فهذا لا يعني أنني خال من “الوعي” بدليل أنني أملك وجهة نظر يمكنني الدفاع عنها في مقابل وجهة نظرك، وهذا يمنحني وعياً كما تعتبر أنك تملك وعياً.

ففي واقعنا وبيئتنا الكثير من الأطروحات ذات العناوين الجاذبة للولوج في دهانقها، ناهيك عن تداخل هذه الأطروحات ببعضها، مما جعل أي حوار يدور تحت عنوان التفرّد في صوابية وجهة النظر أحادية الرؤية عقيماً، فالسياسي لا يقبل من الديني أطروحته لأنه يعتبرها حاجزاً يعيق انفلاش رؤيته ويشوّه مساراته. والديني ليس أقل اتهاماً للسياسي في هذا، ويعتبر أطروحته “شعوبية” التوجه، وممارساته براغماتية ميكيافيلية لا مبدئية فيها. مشكلة “الوعي الديني” أنه متعدد المشارب كما السياسي، وليس موحداً في أطروحته أو جامعاً في بيانه، والسبب الأول أن التمييز بين المدارس الدينية واختلاف مناهجها واجتهاداتها في التعامل مع الأصول، متعددة، ولذا تجد ما هو مقبول هنا مرفوض هناك، ويكون الحوار أو التقديم مقتصراً على وجهة نظر آحادية المرجعية. وهذا مقتل لأي حوار. بين هذين الوعيين، هل يجوز أن ننزع صفة الوعي عن أحدهما؟ ما نراه أن الوعي الذاتي ليس بالضرورة مرتبطاً بتأييد وجهة نظر أو اتجاه معين، بل هو خروج من دائرة القبول المطلق دون إدراك، أكان هذا القبول في الديني أو في السياسي؛ فالوعي الذاتي شرطه التمييز العقلاني بين الصالح والسيء في حدود ملكات العقل عنده وكيفية استقبالها للمكتسب الوارد عليها وإليها. وشرط الوعي الأول هو الاستيقاظ من سبات الوارد إلى إعمال العقل فيه تحليلا وتقييماً.

الخلاصة، في موضوع الوعي ليس شرطاً أن أكون مؤيداً لوجهة نظرك حتى أكون على درجة من الوعي. و”الوعي” لا يرتبط بهذا الجانب أو ذاك من جوانب العلاقات، وكما يمكن أن يكون هذا الوعي ذاتياً شأنياً، مثل الوعي الاجتماعي والوعي الأدبي والثقافي المنفتح على كل الثقافات القريبة والبعيدة عموماً، والذي يجنّب الإنسان المزالق في الأمور المسيئة، يمكن كذلك أن يكون وعياً اجتماعياً شمولياً مع التمييز بين لزوميات هذين الوعيين. لأن الوعي ليس بالسياسة وحدها أو في الدين وحده، فهو مطلق؛ الوعي الذي ينقل الإنسان من القبول الفوري المسلّم به إلى النقد والتحليل. وإذا كان السياسي يوسم بالبراغماتي أو الشعوبي، فالديني أيضا يوسم بالأحادية “الديكتاتورية” الفقهية (كما نرى في بعض “الجُزر الدينية”) في هذا الزمن. وأقول “جّزر” لكثرة المدارس الفقهية والدينية عند كل المذاهب. إن الحكم من طرف على طرف آخر بأنه لا يملك وعياً لأنه لا يتوافق مع رؤيتي وتقييمي لأمر بعينه، أو لحالة أو وجهة نظر بعينها، هذا ظلم. ومع حسن النية يكون سعياً لتوهين وعي وثقافة الآخر ووسمه بالجهل. وما قصدته في هذه المقالة هو الوعي الذاتي الشأني، أما الوعي المجتمعي، في جغرافيات بيئتنا العربية عموماً، فالحديث يختلف.

.

*كاتب عربي ورئيس تحرير مجلة “مدارك ثقافية” الالكترونية.

 

-لمتابعتنا على فيسبوك: https://www.facebook.com/alwasatmidlinenews

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
أهم الأخبار ..
بمشاركة 6 دول.. الشرطة الأوروبية «يوروبول» تطيح بأكبر تنظيم إجرامي للمخدرات في أوروبا.. سلاح الجو الروسي يحيد أكثر من 100 عسكري أوكراني بضربة دقيقة ويدمر مدرعات على سكة حديد.. السلطات الصومالية: مقتل 5 أشخاص على الأقل في هجوم مستمر منذ ساعات على فندق في العاصمة مقديشو..والبرلمان يؤجل جلسته.. إيلون ماسك مستعد لإنتاج هاتف جديد في حال حظرت متاجر "آبل" و"أندرويد" تطبيق "تويتر".. خلال ملاحقته شبكات تهريب النفط.. جهاز الأمن العراقي يضبط أوكاراً نفطية في 5 محافظات.. الدفاع التركية تعلن تحييد 14 مسلحا كرديا شمالي سوريا.. إسرائيل..غانتس: منح وزارة الأمن القومي لبن غفير نابع من الرغبة في "تشكيل ميليشيا" الكرملين: موسكو ترحب بمقترح الفاتيكان الوساطة بشأن النزاع في أوكرانيا.. في مواجهة الاحتجاجات على الإغلاق الصارم.. بكين تقيم مجموعات عمل خاصة ستراقب تنفيذ الإجراءات الصحية.. حكم بسجن الرئيس السابق لجزر القمر أحمد سامبي مدى الحياة بتهمة الخيانة العظمى.. اليابان تدرس تجهيز الغواصات بصواريخ بعيدة المدى..في إطار زيادة "قدرتها على الضربات الانتقامية".. الكرملين ينفي مزاعم نية روسيا الانسحاب من محطة زابوروجيه النووية.. عمدة كييف يدعو سكان العاصمة للاستعداد لسيناريوهات الإخلاء الجزئي بسبب الطاقة الكهربائية.. بريطانيا تسلم أوكرانيا صواريخ "بريمستون-2"..دقيقة التوجيه.. بالتزامن مع تصاعد التوترات مع الصين..مخاوف في واشنطن من تأخر "جهود تسليح تايوان" بسبب أوكرانيا.. رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك بأول خطاب عن السياسة الخارجية: سنواجه الصين وروسيا.. الدولار يرتفع على نطاق واسع.. واليوان يهبط مع تأثير وضع كورونا بالصين على المعنويات..ودفع المستثمرين المتوترين نحو الدولار كملاذ آمن. زيلينسكي: روسيا تعتزم شن هجمات جديدة على أوكرانيا.. رئيس الوزراء محمد شياع السوداني: الأموال العراقية المسروقة تبلغ أكثر من 3 تريليونات دينار.. عمال السكك الحديد بالنمسا يضربون عن العمل بسبب تدني الأجور.. وزير الدفاع النرويجي بيورن أريلد غرام: نحتفظ بخطوط اتصال مع موسكو.. أعمال شغب في بروكسل واعتقال العشرات بسبب مباراة بلجيكا والمغرب في كأس العالم.. رئيس ​بيلاروس​ ​ألكسندر لوكاشينكو لــــ كييف: دماؤنا واحدة فتعالوا إلى طاولة التفاوض مع روسيا العملاقة.. أوكرانيا: هناك مؤشرات على أن القوات الروسية تستعد لمغادرة محطة زابوروجيه التي تسيطر عليها منذ آذار الماضي. أردوغان: يمكن أن تعود الأمور إلى نصابها في العلاقات مع سوريا في المستقبل القريب..مثلما جرى مع مصر.. إسبانيا.. مسيرات مناهضة للحكومة في مدريد.. السودان: تحالف المعارضة مستعد لتوقيع اتفاق إطاري مع المكون العسكري.. الكرملين: لن نصدّر النفط والغاز إلى الدول التي تختار وضع سقف لأسعار الطاقة.. رئيس الوزراء العراقي يعلن استرداد نحو 124 مليون دولار كجزء من الأموال الضريبية المسروقة.. في وقت يتوقع أن يعلن نتنياهو تشكيل حكومته: وزير الأمن القومي الإسرائيلي المرتقب إيتمار بن غفير يعتزم اقتحام "الأقصى" الشهر المقبل..