الكلام بخير !؟ .. د. نهلة عيسى ..

منصات الكلام في بلادنا كثيرة, لأن الكلام هوايتنا الأثيرة, وزادنا منه وفير, وعلى مدار عمري لطالما حضرت ورأيت الآلاف, يعتلون منصة الخطابة والحديث, كطابور معزين في سرداق عزاء طويل .. طويل, يرددون الكلام الرتيب ذاته جيلاً بعد جيل, ويصرون دوماً على أننا في القمة, وأننا بخير, ويصر عقلي ووجداني معاً على أن هذا “المونولوج” البائس كان مقدمة مهدت الأرض للحرب علينا, وأظنه سبباً من أسبابها العتيدة العديدة, لأن إيهام الذات (فردية أو وطنية) بما ليس فيها, يعمي البصيرة والبصر!.
واصراري على تحميل بعض المسؤولية لمعتلي منصات الكلام في بلادي الحزينة وليد خبرة مريرة, دعيت فيها على مدار أكثر من عشر سنوات لمئات الاجتماعات, في أماكن عدة, تُليَ فيها على مسامعي ما أسميته “المونولوجات”, عن “كان, ويجب, وسوف, وحتماً”, وعن الحرب, الشماعة التي ناءت ونَخَّت بما حُمِّلت, لأخرج بعد كل اجتماع وفي حلقي سؤال: هل كان يجب أن أحضر؟, وهل كان يجب أن أجلس لأستمع لعشرات الحاضرين وهم يتسابقون على الكلام, الواحد تلو الآخر فيما لا يفيد سوى في البحث عن شماعات, وتلاوة سجل أحزان الوطن, وكيف صار الموت في بلادنا عابراً لمقبرة آذاننا جميعاً, وكيف صارت الحكايات الرثة عن عدم القلق على مستقبل الوطن لأنه منيع!! أشبه بضجيج أبواق و أعلام سوداء, أو ربما أشبه بالقمصان الواقية من الحقيقة, لتُسدل ستائر الغموض على الحرب وأسبابها, وصناعها, وتجارها, ولنبقى جميعنا خارج كل مساءلة أو حتى مجرد سؤال: عن لماذا حدث ما حدث, ومن أي خروق دخل الآخرون علينا, خاصة وأن حناجر المجتمعين في كل مكان, مصرَّةٌ على أننا بخير!؟
أُدعى, وأخرج كل مرة بذات السؤال المُر: هل كان يجب أن أذهب, لأجرب تشرد العقل, وأنا استذكر كيف رفضنا, وما زلنا نرفض, الإجابة على لماذا؟ الخاصة بما يحدث لنا وبنا, وكيف يصرون على أن نقبل أو ننصاع لا فرق, بالفاقة والقِلة, وهي تحاول كسر ظهر الوطن فقرة تلو الأخرى, على وقع فذلكاتنا الكلامية بأننا بخير, التي ترقع الوجع بالادعاء, في بلد كان هو من تبرع بالحضارة لكل الإنسانية!؟
أذهب, وأعود لأشعر بالذنب, هل كان يجب أن أذهب, لارتكب جريمة سماع الثرثرة عن إعمار الحجر, وزرع الشجر, وفرص الاستثمار, وحصة الصديق, وكيف نعاقب العدو؟ والآه في وطني مباراة, الفوز فيها موت مستدام مقيم, وطابع بريدي لف الأرض من شرقها إلى غربها على وجوه المهجرين والمهاجرين, وثوب رث يشير إلى حقيقة, أن في كل واحد منا مشروع شهيد, ممنوع عليه السؤال عن هوية القاتل وعن جرم القتيل!؟
هل كان يجب أن أذهب, لتنفجر ذاكرتي شظايا كقارورة عطر مكسورة, وأنا أتخيل وجوه من رحلوا, وهم يحملون السلاح ليحمونا, وكانت دمائهم وجروحهم نصيبهم من معركة غسل التاريخ عن جلد بلد صنع الحياة, بينما مفاخرنا اللفظية في كل اجتماع تتجاهل الدماء؟, آه ما أسهل التفاخر على من يعيشون في وهم أننا ما زلنا بخير!!.
هل كان يجب أن أذهب, لأكتب عن الموت, أم أن ذهابي كان بصيرتي التي جعلتني أرى في شهادة من رحلوا, رصيف محطة ارتقاءنا إلى الغد, خاصة وأن لدي رغم كل الجروح أمل, بأن القادمين إلى اجتماعات الغد – الغد الذي يشبهنا نحن السوريون الحقيقيون – لن يصمتوا عن الجرح, ولن يعفوا أحداً من المسؤولية, وأن لديهم قناعة, أن الصمت ليس كفالة من الموت, وأن الحياد في هذا الجحيم جريمة, وأن إخفاء جرح الوطن, يعني تركه للقيح والعفن, والرحيل إلى منافي الذل والعار؟
هل كان يجب أن أذهب لأبكي, لأنني أعرف أننا فعلنا كل شيء لنوقد الحرب ولكي نطيل في أمدها, وما زلنا نراوح على رصيف الأكاذيب أننا بخير!؟ ونحن لسنا بخير, الكلام فقط بخير!؟.
نعم كان يجب أن أذهب, لأن الشمس تشرق كل يوم رغم فظاظة وتجهم وجه الليل, ولأن البحر كلما رمى موجة على شطآنه, ارتد راجعاً يستعيدها, وكلما اعتلته سفينة نظر إلى الأفق البعيد باحثاً بشوق وحب عن السفينة التي تليها, لأنه يعرف أنه ليس هناك سفينة تشبه سفينة, وأن من يعانون من زبّدِ البحر سيدافعون عن النصر ضد قراصنة النصر, عندما ترسو السفينة.
*أستاذة جامعية – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب



