كريشنا مورتي .. عن الحب والجنس

|| Midline-news || – الوسط ..
( من أحاديث جامعة ستانفورد ) …
هل الحب رغبة؟ إن يكن رغبة فإن الألم يرافقه حتمًا. كما تتذكرون، لقد رأينا أن اللذة هي نتاج للفكر. التفكير بالتجربة الجنسية التي كانت لك – مضْغُها، بناءُ الصورة – يثبت لذة تلك التجربة. يولد الفكر اللذة ويولد أيضًا الخوف: الخوف من الغد، الخوف من الماضي، التفكير في ما فعله المرء، التفكير في الألم البدني الذي مرَّ به المرء والخوف من وقوعه مرة أخرى. الفكر، إذًا، يولد اللذة والخوف والألم فهل هذه تدعى حبًا؟ لكن ذلك هو كل ما نعرفه. ذلك هو ما ندعوه حبًا. أحب زوجتي وعندما تلتفت تلك الزوجة، التي أتكل عليها في أمر الجنس، في طبخ طعامي وإدارة الأسرة، عندما تلتفت وتنظر إلى الآخر، أغضب وأهيج وأغار – وهذا يدعى حبًا. ثم إن الإنسان يخترع حبًا لإله – إله لا يطلب أي شيء، لا يوليك ظهره. يكون معك في جيبك وتكون متأكدًا من أنه هناك يحميك في غيرتك، في همومك، يقودك إلى قسوة أعظم قدرًا.
هذا كله يدعى “حبًا”، فهل هو كذلك؟ من الواضح أنه ليس كذلك، لأن الحب ليس هو شيئًا نتاجًا للفكر. لا يمكن للحب أن يُتعهَّد. لا يمكن للحب أن يشترى باللذة. كيف يمكن لرجل عدواني، طموح، تنافسي أن يحب؟ وإذا كان يريد أن يكتشف ما هو – فعليًا وليس نظريًا – فعليه أن ينهي طموحه، طمعه، كراهيته للآخر، أن ينحي جانبًا على نحو تام كل ما ليس هو حبًا. لكن، كما ترون، إننا نلعب بهذه الأشياء كلها ومن ثم نتحدث في الحب. حقًا إننا لسنا بالناس الجادين، ولأننا غير جادين فإن حياتنا على ما هي. وعليه، من غير الموت لا يكون حب، لأن الحب دائمًا جديد وليس أمرًا روتينيًا من الجنس واللذة. عند أكثرنا، في سائر أرجاء العالم، أصبح الجنس مشكلة استثنائية، بل مشكلة نُسَرُّ بها. ألا تتساءلون متعجبين لماذا هو كذلك؟ يبدو الأمر كما لو أنه قد اكتُشف للتو لأول مرة، فتراه مبرزًا في كل مجلة وكل البقية. لماذا أصبح مشكلة ثابتة ومستمرة إلى هذا الحد، تُقرن به كلمة “حب”؟ من الراجح أن الأذكياء سيقدمون الكثير من الحجج لماذا يستثار الإنسان بهذا الشيء إلى هذا الحد. لكن، ولننح جانبًا كل الخبراء والمرشدين الفكريين، هل يمكن للمرء أن يرى لماذا قد علق في هذا الأمر إلى هذا الحد؟
سيكون لزاما عليكم الجواب على هذا السؤال؛ لا يمكنكم كنسه جانبًا، لأنه جزء من حياتنا، جزء من هذا الشيء الذي يدعى الحياة التي أصبحت معركة كبيرة وتعاسة كبيرة. لماذا صار الجنس مشكلة؟ أم ينبغي أن نتساءل لماذا هو على ما يظهر الشيء الوحيد الذي تُرك للإنسان وهو حر فيه؟ هنالك يفقد نفسه كليًا: في تلك اللحظة لا يكون بعدُ هو كل التعاسة، كل الذكريات، التعذيبات، التنافس، العدوان، العنف والتقاتل. إنه ببساطة ليس هناك. وعليه، ولأنه غائب، فقد أصبح مهمًا؛ حينئذ لا تبقى التفرقة بين “أنا” و”أنت”، “نحن” و”هم”. إن تفرقة كهذه تنتهي وفي تلك اللحظة ربما تجدون حرية عظيمة. من الراجح أنه قد صار مهمًا على هذا النحو الاستثنائي فقط بسبب أنه الشيء الوحيد الذي تُرك لنا بحيث أننا نجد فيه هذا القدر من الحرية. في كل ما عداه، لسنا أحرار. فكريًا وعاطفيًا وبدنيًا، نحن أناس مستعمَلون مكبوحون ومقيدون، مقولبون قولبة شاملة بمجتمعنا التقاني. وإذ لم تبقَ حرية إلا في الجنس، فلقد صار الجنس مهمًا، وبسبب ذلك، مشكلةً. إننا لا نقول لا يجوز أن تمارسوا الجنس – سيكون ذلك أمرًا سخيفًا. لكن هل يمكننا أن نكف عن كوننا عبيدًا، كائنات إنسانية مستعملة تُردد بلا حد ما قيل لنا عن أشياء ليست ذات أهمية كبيرة فعليًا، نعيش بلا حد في عالم إيديولوجي – أعني أننا نعيش مع الصيغ وبالتالي نحن لا نعيش عيشة فعلية البتة؟ وعليه، متى يتحرر الإنسان تحررًا شاملاً، فكريًا وفي قلب المرء، فإن هذه المشكلة ربما لن تكون خطيرة جدًا.



