رأي

في انتظار !؟ .. د. نهلة عيسى ..

يداهمني العيد بطقوسه التي تفرض علي ادعاء الفرح, والمشكلة أنني غاضبة معظم وقتي من الزمن الرديء, رغم كرهي لليأس, وتمسكي بالأمل تمسك الوليد بأمه, ولذلك اتفادى الأدراج الرطبة المظلمة حتى لو كانت ستقودني إلى الغد, وأتجنب “المثقفين” المتشائمين, لأنه لا وقت عندي للعيش تحت وطأة جذام النكد والنق, وزكام النقاش السئم, حول كيف ومتى؟ والكلام المحنط عن أننا, وسوف, ويجب ولا بد!؟ فالعمر قصير, وقد أضعت منه الكثير في ساعات احتضار طويلة مؤلمة على مدار سنوات طوال, لا الوطن فيها تعافى من سقمه, ولا “المثقفين” حسمواً نقاشاً!

أكره النكد, ويمزقني أن الحرب بكل تداعياتها باتت مجرد عادة بائسة أخرى من عاداتنا  المقيمة, توقِعُنا يوماً بعد يوم في فخ هذا خطأ وذاك صواب, على الرغم من أنه في الحرب لا شيء صحيح, ولا شيء حقيقي سوى الجنون, وسوى أنها تبرر للمرء العيش والنوم دون ذنب على تل البقايا, والمضي “أوتوستوب” مع المجهول دونما حاجة “للتظارف” وادعاء البوهيمية, فآخر مظهر من مظاهر الحضارة (الحلم) يلفظ أنفاسه الأخيرة في بلادنا على كتف المفسدين, والفاسدين, والمدعين, و”المثقفين”, وبنادق “المتثورين” والإرهابيين!

أكره النكد, ولكني أحتقر من يحاول إجباري وغيري على الوقوف في دائرة الطباشير لنثبت حبنا للوطن, فالثابت لا يتحول, والعارض غير مقيم, وأنا أكره الدوائر والمثلثات, ويضجرني المربع والمستطيل, والخطوط المستقيمة, وتثير ريبتي الخطوط المتوازية التي لا تلتقي, ولكنها بنفس الوقت لا تفترق, لأن افتراقها يغير قواعد اللعب على الحواف, حيث الخاسر ميت, والرابح في غرفة الإنعاش!

وأنا لست ممن يصادقون الموت, وتشظيني زيارة المستشفيات, وألعن الحرب في اليوم مئات المرات, فقد سددت لها كل فواتيري, واشتريت بنزف روحي جبهتي واصطفافي ورفاقي وجروحي, ولم يعد بوسعي  السير في دهاليز المرايا اللامتناهية, حيث يتماهى فيها وجهي مع وجه الحرب, لأنها باتت حكاية, كحذاء سندريلا, ينتقل من قدم لقدم, وتكبر قدم سندريلا, ولا يصل إلى قدمها الحذاء, ولا يعثر عليها الأمير!

ألعن الحرب, لأن ضحكاتنا باتت أشبه بالغصات, وأعرف رغم قلة علمي في علم النفس, أن تحولاتنا المزاجية صارت صورة منسوخة بالكربون عن نشرات الأخبار, الأشبه بمنصات إعدام, ومن حكايات وشائعات مواقع التواصل الاجتماعية, ومن تحليلات طابور خامس, يبدو منا وفينا, يطبق علينا أساليب غسل الأدمغة, حيث الجميع بعرفه مدان, وفي قفص الاتهام, ما دام لا يعتقد اعتقاده, ولا يوافق على اقتراحه, ولا يحمل المشاعل لحرق ما تبقى من الوطن!

وأنا, وأنتم, والوجع نتكئ على بعضنا البعض, ونتجلد  في محاولة منا للإمساك بتلابيب الصبر وطول البال وعدم تقيؤ الذات, ونحن نستمع لهذه المعزوفات المجترة, لأننا نؤمن أن الحروب لا تخاض بالصوت العالي, ولا بقطع الشجر, ولا بالتباكي في مقاهي النميمة على حالنا وأحوالنا, بل تخاض خبراً في مواجهة خبر, وحقيقة في مواجهة أكذوبة, وإيمان في وجه باطل, وعقل في مواجهة جهل, وعمل جاد لرد الحصار, وبندقية لبندقية, وأظن أن مشكلتنا تكمن في أن معظمنا لسانه فحسب, هو حقيقته, وعمله, وبندقيته!

نعم أكره الحرب وقصصها, رغم أنني أعيش منذ سنوات في غرفها السفلية, وكثيراً ما قلت لنفسي: أنه كان يجب أن لا أعيش هناك, وأن لا أرى, وأن لا أقرأ, وأن لا أعرف, لأن المعرفة في الحرب وجع الوجع, ومشاعر غضب معبأة في زجاجات معتمة, ونصر متوهم بطعم الهزيمة!؟ كان يجب أن لا أكون, لكنني كنت, لأرى أن المشكلة لم تعد في الحرب, بل بمن يدعون أنهم يخوضون الحرب ضد تداعيات الحرب, فيقتلوننا يأساً, لنضاف إلى القائمة الوطنية “للمثقفين” عديمي الجدوى, المتبرعين بالكلام دون أن يسألهم أحد, كالراكبين في باص “هوب هوب” يقتلون الوقت بالكلام, والسؤال عن قمامة الأخبار, والمشكلة أنهم لا ينتظرون رداً, لأن المهم في القضية هو الكلام, ألم أقل لكم الأسبوع الماضي أن الكلام في بلادنا دائماً بخير, ونحن على قيد انتظار أن تصبح أيامنا أيضاً بخير, دونما حاجة للكلام!؟

*أستاذة جامعية – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى