رأي

على مسؤوليتي .. هل بُعثَ ديغول من جديد!؟.. عصام داري ..

 

يقال أن الجنرال شارل ديغول عندما دخل منتصراً إلى باريس بعد هزيمة ألمانيا النازية كان يسير خطوة بخطوة مع جنرال آخر، فالتفت إلى الجنرال وقال له: ابتعد خطوة إلى الوراء من أجل التاريخ، فتراجع ذلك الجنرال خطوةً واحدة، تلك الخطوة هي التي جعلت ديغول من رجالات الدولة العظماء، وجعلتني، وجعلت غيري ننسى إسم الجنرال الآخر.

ديغول لم يكن بطل فرنسا ومحررها من النازيين وحسب، ولم يكن رئيس فرنسا القوي والقائد الأوربي التاريخي فقط، بل كان الرئيس الأوربي الوحيد الذي تبنى سياسة مستقلة تماماً عن السياسة الأمريكية، ومخالفة لها.

معروف أن الدول الأوربية تتبنى المواقف والسياسات الأمريكية من دون تردد، فالمسافة الهائلة التي تفصل الساحل الغربي لبريطانيا عن الساحل الشرقي للولايات المتحدة، وهي مساحة المحيط الأطلسي، تصبح في السياسة صفراً إلى درجة ينطبق عليها مقولة (إذا هطلت الأمطار في واشنطن فإن البريطانيين والأوربيين يفتحون المظلات).

لماذا نعود إلى الجنرال ديغول صاحب السياسة الفرنسية المستقلة عن السياسة الأمريكية طوال وجوده في الحكم؟.

في ظل الحرب الدائرة في أوكرانيا حالياً صدر موقف لافت عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يبتعد بقدرٍ كافٍ عن مواقف الدول الأوربية التي انساقت – بحكم العادة- في معظمها وراء الموقف الأمريكي، فكانت تستنسخ السياسة الأمريكية والعقوبات الأمريكة على روسيا وتطبقها حرفياً بما في ذلك إبعاد الدبلوماسيين الروس وغير ذلك.

ماذا فعل ماكرون؟.

رفض الرئيس الفرنسي وصف ما يجري في أوكرانيا بحرب الإبادة كما فعل الرئيس الأمريكي جو بايدن، وكان جوابه في حوار تلفزيوني: الأوكران والروس شعبان شقيقان.

أكثر من ذلك، تحدث ماكرون عن النظام العالمي الذي يولد حالياً عندما قال: إن هناك تحولاً عالمياً من نظام القطب الواحد إلى عالم متعدد الأقطاب.

هذا الموقف ذكرنا بالجنرال ديغول، لكنه لم يصل حتماً إلى مستوى السياسة الفرنسية التي بناها وتبناها الجنرال شارل ديغول، بدليل أن موقف وتصريحات ماكرون لم يترافق بإجراءات على الأرض، إذ التزمت فرنسا بسياسة العقوبات المالية، فتم تجميد مليارات الدولارات الروسية في المصارف الفرنسية.

مع ذلك فإن الموقف الفرنسي أفضل من مواقف معظم الدول الأوربية التي تسير وراء السياسة الأمريكية بما يخالف مصالح شعوبها، وهذا ما أشار إليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عندما قال: إن الدول الأوربية التي تفرض عقوبات على روسيا إنما هي تعاقب شعوبها.

والدليل على ما قاله بوتين أن أوربا تعاني من أزمة وقود حادة مع ارتفاع أسعار المحروقات من غاز ونفط كانت روسيا تصدره لهذه الدول.

أوروبا تحتاج اليوم إلى أكثر من زعيم يشبه الجنرال ديغول كي تخرج من مقولة (أوربا عبارة عن عملاق اقتصادي وقزم سياسي ودودة تحبو على الأرض عسكرياً) وإلا فإنها ستعاقب شعوبها من خلال تبنيها للسياسة الأمريكية من دون تردد أو تذمر.

لم يُبعَث ديغول من جديد، ويبدو أننا نحتاج إلى هزة أقوى تحرك السياسة الأوربية وتوقظها من سبات عميق بفعل مخدر صنع ما وراء المحيط الأطلسي.

*كاتب سياسي – سوريا

المقال يعبر عن رأي الكاتب ..

 

صفحتنا على فيس بوك

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى