رأي

 شاكرين تعاونك!؟ .. د. نهلة عيسى ..

 

قضيت أيامي الأسبوع الماضي في تلبية دعوات العديد من الشاشات التلفزيونية العربية والأجنبية, للإجابة على الأسئلة “الترند” هذه الأيام: هل أردوغان جاد في تصريحاته فيما يتعلق بسورية, وإن كان جاداً فما الذي حدث, وما هو الثمن, ومتى سيلتقي الرئيسان؟ والكثير من الأسئلة الأخرى الأقرب في الحالة السورية للأحاجي, وتحتاج الإجابات عليها (خاصة وأنها تتعلق بأردوغان), ليس لإعمال العقل, والاستناد للجيوبوليتيك, بل إلى ضرب الودع, وفتح المندل!؟

والحقيقة أن معظم هذه المقابلات كانت مثيرة للاستفزاز, لأنها تعاملت مع التصريحات باعتبارها حقائق, وهو استسهال لا يحتمله واقع الحال, ولا تاريخ “عشرتنا” المرة مع أردوغان, ولذلك فقد بدت لي الأسئلة التي طرحت علي أشبه بالجحيم الكرتوني الداجن, المشاد بطوب شبيه بالطوب الحكومي, والإداري المقنن, والمكرر, والمنمط, والمصاغ بعبارات التكلف المراوغة, حمالة الأوجه, ملقية المسؤولية عن كاهل بلاد ووسائل إعلام اقتات على دمائنا عشر سنوات, ثم عندما تغير الدولاب, حملت إلينا أوراق امتحان مؤتمت بلا خيارات, رامية به على أعتابنا لكي نجيب, وكأن المطلوب: الاطلاع وإجراء ما نراه مناسباً, حتى لو كان غير مناسب, ما دامت العجلة تدور, مع عدم نسيان رشوتنا بالعبارة الفخ: “شاكرين تعاونكم”!!

وهي (أي شاكرين تعاونكم), العبارة التي كنت أود قولها لمن يسألون, وذلك لأنهم وبراءة الأطفال في عيونهم, يتناسون عشرية نارنا, ويتعاملون مع تغير موقف أردوغان (اللفظي حتى الأن) على أنه خلاف بين رجلين, يمكن تسويته في لقاء, نخرج بعده مثل السحر من ركام الوجع الذي وضعنا فيه, وتنتهي في ساعات الحرب التي كان واحداً من أهم رعاتها وصانعيها ومموليها!!

حقاً كان بودي قولها لهم, لأنهم ما زالوا يمارسون اللعبة, ويزجون بنا في شرك التبسيط الذي سقطنا فيه اثناء محاولتنا عبر كل هذه السنين, لفهم ما جرى لنا وحولنا, وهو تبسيط لا تطيقه  حربنا, التي وعن عمد حُول فيها الوطن إلى حقول من الزجاج المكسور, وفككت فيها اللغة, وتم الخلط بين الزمان والمكان, والمبنى والمعنى, والقاتل والقتيل, والثورة والخراب, والوطنية والادعاء.

حقاً كان بودي قولها لهم, لأنهم يتغافلون عن أنهم هم, بتحاملهم علينا, من ردونا إلى الوعي من رواية “ليلى والذئب”, وجعلونا نتذكر أن الصديق الجيد هو من يطعنك في وجهك وليس في ظهرك, وأن آفتنا تكمن في أننا اختصرنا جميع الأسئلة في “ماذا؟”,  بينما تكمن المعرفة الحقة في مصادقة الأصحاب الستة: “ماذا”, “لماذا”, “متى”, “كيف”, “أين”, “من”, ولعل “من” في حالتنا أخطر الأسئلة وأهمها, خاصة أن من يسألون عنه, هو أول “من” أنقلب علينا!؟

كان بودي قولها لهم, وسأقولها رغم كرهي لها, لأنهم وهم يمارسون ذات لعبة أردوغان, قد ألهمونا, ودفعونا للخروج من حالة الفرجة على الوطن يلوح بذراعيه وهو يغرق, إلى حالة اليقين أن اليد الممسكة بالبندقية لن تجعله يغرق, وربما أيضاً, لأن إحساساً غامضاً بالأمل انتابني, وأنا أراقب السوريون غير مهتمين بما يقولونه ويقوله أردوغان, لأنهم باتوا أكثر حنكة من تتبع أثر الغث, قبل أن يصبح سميناً, وما عادوا يحلقون في مملكة الحلم, بانتظار الأمير يلوح من شرفة القصر, لأنهم باتوا يعرفون أن الأمراء شرك, خاصة عندما يتوقون لأن يكونوا ملوك, ولذلك فتصريحات أردوغان تبقى خارج سمع السوريين, لأنها من وجهة نظرهم حتى الأن مجرد عناوين برسم الانتخابات, وتصبح مهمة .. فقط عندما يعود أردوغان, بما يعنيه أردوغان من عدة وعتاد وزبانية ارهاب إلى خلف الحدود, حينها ربما سنلمح وجهه عبر نافذة قطار يتهادى في إحدى محطات المغادرة, فنناديه: لحظة .. نسينا أن نقول لك: شاكرين تعاونك!؟.

 

*أستاذة جامعية – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى