رأي

ممدوح الطباع – الإعلام وحرب الصورة ..

|| Midline-news || – الوسط  – خاص ..

تهيمن الصورة في الوقت الراهن على كل مايدور من حولنا من معارف اقتصادية وثقافية وسياسية ، وتنبع أهمية الصورة في التواصل مابين البشر ، باعتبارها من  أهم مستجدات العصر في يومنا هذا ، مستفيدة من التكنولوجيا المتطورة في نقل الصورة ونشرها عبر وسائل تواصل عديدة لتكون اللغة الجديدة في ترتيب اللغات بين البشر ، والتي تفوقت على كل اللغات الأخرى كونها قادرة على الوصول إلى أكبر شريحة ممكنة من الناس وبسبب قدرتها على السيطرة على العديد من قطاعات العلم من سياسة واقتصاد واجتماع وفن .

ما نراه اليوم من ثورة تكنولوجية إعلامية ، يعبّر عن أهمية الصورة ، وما هي االمكاسب الكبيرة للجهات التي تسيطر على وسائل الإعلام ، وتوجّه الصورة بالشكل المباشر المقصود ، من أجل تحقيق أهداف معينة ترسم أثراً كبيراً على أكبر عدد ممكن من شرائح الجمهور ، وهو ما شهدناه من تناول مستمر لوسائل الإعلام ومواقع التواصل الإجتماعي وخاصة في ظل ما تشهده المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط من أحداث ووعكات كبيرة .

ما إن تُـبثّ صورة اليوم لطفل جريح أو لمنزل مدمر ، أو لشابتين تتبادلان القُبل بشكل فاضح في منتصف النهار وفي وسط المدينة ، ضمن إطار الموضة الدراجة بما يسمى ( المثليين ) ، وبدء السماح لهم بالزواج الرسمي والإعلان عنه دون أي حياء أو خجل أو أي اعتبار على الأقل للقيم البشرية والتي تقوم على أساس القيم الاجتماعية والدينية أساساً ، حتى نرى تراكض العالم بأسره ليتضامن أو ينتقض ، وتصل الجراءة بالبعض للتكفير وإطلاق أحكام القتل وقطع الرؤوس وبعضهم يطالب بالقصاص من دولة هؤلاء وكل القائمين على الدين في هذا البلد !.

نستذكر هنا حادثة الطفل إيلان ، الطفل السوري الذي غرق على السواحل التركية أثناء محاولته مع عائلته الذهاب إلى اليونان  من أجل الوصول إلى بلد اللجوء ، كان عرض صورة الطفل السوري بهذه الكثافة عبر وسائل الإعلام نوعاً من أنواع حرب الصورة ، فبعد غرق إيلان تراكضت أوروبا والعالم بأسره لتتوجه أنظارهم إلى حركة النزوح الكبيرة للسوريين باتجاه أوروبا في ” رحلة الموت ” بحثاً عن اللجوء بسبب ما تشهده سورية من حرب ، وما لبثت أن انتشرت صورة الطفل الغريق فانتفض المجتمع الدولي بشكل مفاجئ لمساعدة الشعب السوري ، وأصبحت أبواب أوروبا مفتوحة على مصراعيها للسوريين طالبي اللجوء الإنساني ، في خطوة ربما هي الأخطر في الأزمة السورية ، حيث سُخِّرت صورة واحدة لهز العالم بأسره باسم قضية اللاجئين السوريين .

الحال نفسه تكرر في صورة الطفل عُمران ، الطفل السوري الذي ظهر في شهر آب من العام الفائت في  معظم وسائل الإعلام ووجهه ملطخ بالدماء والتراب ، كانت تبدو عليه ملامح الذهول ، فأصبحت صورة الطفل عمران أداة لكل طرف في الصراع السوري ليتهم الطرف الآخر بممارسة الإرهاب والاعتداء على حقوق المواطن السوري وتدمير حياته .. إلخ . دون وضع أي اعتبار لمعاناة هذا الطفل مهما كان القصد من هذه الصورة أو الحقيقة التي تكمن خلفها ، فإن كانت زائفة فهي تسخير للأطفال في خدمة قضايا عسكرية وسياسية ، وهو ما حظره القانون الدولي الإنساني ( قوانين الحرب ) والقانون الدولي لحقوق الإنسان بتجنيد الأطفال واستخدامهم كجنود . كما أنّ البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيات جنيف لسنة 1949 ( البروتكول الثاني ) المطبق أثناء النزاعات المسحلة غير الدولية ، يحظر على الدول والجماعات المسلحة غير التابعة للدول ، تجنيد الأطفال أو استخدامهم ، تحت سن 15 عاماً ، في النزاعات المسلحة ، وهو السن الذي رفع إلى حد 18 عاماً بعد إقرار الأمم المتحدة في عام 2000 البروتوكول الاخنياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن الاشتراك في النزاعات المسلحة ، حيث أنّ المادة ( 4 ) تحظر أي تجنيد أو استخدام للأطفال تحت سن 18 عاماً ، وهو عكس ما قام بخ المصور الاحترافي الذي التقط صورة عمران من زاوية احترافية لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية تصب في مصلحة جماعة مسلحة معينة تشارك في النزاع السوري بشكل مباشر .

في الواقع ، إن الهدف من استخدام الصورة واضح فالبشر بطبيعتهم يتأثرون بالصور التي تعرض عليهم بشكل أو بآخر وهذا ما تستخدمه وسائل التواصل والإعلام من أجل إيصال فكرة أو رسالة ما ، فما حصل هو توظيف صورة الطفل السوري عبر جميع الوسائل المقروءة والمرئية والسموعة وتسخيرها من أجل خدمة جملة من الأهداف التي تصب في صالح الشخص المسؤول عن حصول ونشر هذه المأساة ، فنحن عندما رأينا صورة الطفل دمعت أعيننا .. بكينا .. وسيطرت على قلوبنا مشاعر الأسى والحزن ، وغداً سننسى هذه الصورة لنتناول أقسى منها في عملية تجعل مشاعرنا قادرة على تحمل أقسى أشكال الأسى والموت ، مخلّفةً فينا مشاعر ميتة ضد مشاهد القتل والتدمير والدماء .

إنّ استخدام الصورة بكثافة عبر وسائل الإعلام لتحقيق أهداف محددة تجربةٌ غير جديدة ، فإسرائيل كانت وماتزال أبرع من وظّف الصورة لخدمة أهدافها ، ومن يتابع بانتباه الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة في منطقتنا خلال السنوات الأخيرة الماضية ، يجد أن الصورة باتت من أهم أدوات الحرب الإسرائيلية اليوم ، بالإضافة طبعاً إلى السيطرة على الأخبار  ووسائل الإعلام وإدراة بث المعلومات وتدفقها إلى العالم ، فهم دائماً لا يقومون ببث صور لجرحاهم أو قتلاهم ، بل على العكس تماماً فهم يعملون على إظهار خسائرهم بحدها الأدنى ، عبر تصوير آلة الحرب الإسرائيلية الحديثة بأنها تحارب ذلك الإرهابي الذي يقاتل إسرائيل و تبيّن كيف يتم قتله وسحقه من خلال القدرات الإسرائيلية على تدمير كل من يواجهها حيث تبقى عملية عملية بث الصور التي تحتوي على مشاهد قاسية من قتل وحرق ودم ، تُـعرض بإلحاح شديد على المتفرج حتى ترسخ في ذهنه ويصل إلى درجة التسليم بأن ما يراه هو  واقع لا مهرب منه وحقيقة سوف يواجهها في كل زاوية من حياته في البيت والعمل والشارع والتلفاز ، فلا مفر مما يعرض من صور متتالية ، وما علينا سوى الاستسلام والانصياع لهذا العرض المستمر ، ونقبل بواقعنا ونهيئ أنفسنا لاستقبال ما هو أسوأ ، فما سنواجهه اليوم هو أقل مما سوف نواجهه في الغد ، واعتيادنا على مظاهر القتل والتدمير لأبنائنا وحضارتنا سوف يجعلنا عديمي المشاعر والمسؤولية تجاه ما يصيبنا من ويلات ، وهو ما سيقودنا في مرحلة مقبلة إلى ما هو أخطر من ذلك .

*كاتب وباحث سوري – برلين
الآراء المذكورة في المقالات لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع وإنما تعبّر عن رأي أصحابها حصراً
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى