إضاءات

مقامات .. وامتحان! .. مراد داغوم ..

 

بمناسبة اقتراب موعد امتحان القبول في نقابة الفنانين السوريين، متمرنين وأعضاء، برزت مشكلة تحضير المتقدم للامتحان، وتتالت الاتصالات للسؤال عن مصادر أو عن المواضيع التي يمكن التركيز عليها أكثر من غيرها. وعادت بي هموم أسميها كما عنوان كتاب المعري: (لزوم ما لا يلزم) ! فالمتقدم يجب أن يكون مُلِمّاً بمعلومات سيتركها جانباً وبشكل نهائي بعد الامتحان مباشرة، مما يدعو للتساؤل: ما هي أهميتها إذن؟ لماذا يُطلب من الفنان نعرفة ما لا يلزمه في حياته العملية كفنان؟

لن أتحدث عن الصفات التي لا علاقة لي بها، كالدراما والفنون الشعبية والمونتاج وهندسة الصوت إلى آخر تلك الصفات النقابية الفنية، وسأتحدث عما يتعلق بالموسيقا. من المهم للعازف أن يعرف تاريخ الموسيقا، أعلامها، كل شيء عن آلته، بعض المعلومات عن الآلات الأخرى، أن يقرأ التدوين الموسيقي (النوتة) بشكل جيد، معرفة بالأنغام والإيقاعات الموسيقية تكفي لممارسته مهنته الفنية. ومن المفيد جداً أن يكون مطلعاً على مبادئ “النقد الفني”، لأن هذه المبادئ المتعلقة بعلم الجمال والاستاطيقا تجعله يعرف الغث من السمين والجيد من السيء، وليس مجرد توجيه اتهامات في كافة الاتجاهات.

البندين الأخيرين هما ما يقلقني فوق العادة، فلا مادة (علم الجمال) مُدرجة في منهاج الامتحان، ولا مراجع ثابتة لها؛ ولا علم المقامات والإيقاعات الشرقية يستند إلى المعقول في ما تتطلبه الممارسة العملية للمهنة. لذلك، يتشوَّش فكر المتقدم للامتحان بين تيهٍ من المعلومات هي عملياً لا لزوم لها، بل لا أهمية لها على الإطلاق في حياته العملية، لأنها -برأيي- نتجت عن علم يتميز بالاستعراض المحض، بمعنى أن السلف الموسيقي “الصالح” كان يتوسع إلى ما لا نهاية في تَفَرّع مقامات هي أساساَ متفرعة عن فروع أخرى، لسبب وحيد وهو استعراض معرفة كل “فرد” لما يعرفه، ويُلزم غيره به كضرورة للاعتراف به كموسيقي.

المقامات، أو ما يسمى في الموسيقا الغربية Tonality، هي عملياً عند الغربيين مقامين لا ثالث لهما: المقام الكبير والمقام الصغير (ماجور ومينور)، يدرس المتبحرون في المقامية سبعة أفرع أخرى، فقط.

أما في الموسيقا العربية، فتعداد المقامات يحتاج إلى مئات الصفحات من الكتب المختصة، وكلها معلومات مكررة ولكن مع تغيير الأسماء. فالمعروف أن المقامات الشرقية الأساسية سبعة: (صبا، نهوند، عجم، بيات، سيكاه، حجاز، راست).

في الموسيقا الغربية، المقام الكبير إذا كان من درجة “دو” يكون اسمه (دو الكبير)، أو من درجة “رِه” يكون اسمه (رِه الكبير)، وهكذا دواليك من كل درجات السلم الموسيقي الكروماتيكي. أما في العربية، فإن مقام الراست هو من علامة دو،  فإذا كان من علامة “رِه” سيتغير اسمه، وهكذا بالنسبة إلى كل درجات السلم الموسيقي العادي, ناهيك عن التفرعات التي تستحث مقاماً جديداً بالاسم وبطريقة التعامل في حال مرت علامة موسيقية بشكل اعتراضي في ذلك المقام. حتى علامات السلم الموسيقي لم تسلم من هذا التوسع غير الضروري، فعلامة “دو” في الموسيقا الغربية هي ذاتها في كل الطبقات من القرار إلى الجواب. بينما في الموسيقا العربية يكون لكل علامة اسم بحسب موقعها في السلم.

كذلك يُطلب من الطالب أن يطلع على إيقاعات بَطُلَ استعمالها منذ عقود إلا في ما ندر، وما يضطر الموسيقي اليوم لاستعماله من إيقاعات في يومنا لا يتعدى ثمانية: (مقسوم، صعيدي، وحدة، مصمودي، سماعي، أكرك، دور هندي، فالس)  بينما المطلوب منه أن يحفظ عشرات الإيقاعات المهترئة إن كان في الاستعمال أو في القدرة على احتمالها من قبل العازف والمستمع.

المنهاج المطلوب الاطلاع عليه قبل التقدم للامتحان هو كتاب أستاذنا الكبير “عدنان أبو الشامات”، وهو كتاب يصلح -برأيي- أن يكون مرجعاً مهماً للمعلومات السابق ذكرها، بمعنى أن الكتاب هو أكبر من كونه مجرد صفحات يجب مراجعتها للتقدم إلى امتحان ما. يجب أن يحصل عليه أي موسيقي عربي ويحتفظ به في مكتبته للمرجعية الضرورية، وليس للحفظ غيباً بهدف الامتحان. لأن ذلك سيكون أشبه بأن نطلب من طالب الرياضيات أن يحفظ لوغاريتمات الأعداد

بينما هي عادة مُدرجة في مرجع ثابت يعود إلى الراغب في معلومة ما.

أتمنى لجميع المتقدمين النجاح، وأتمنى من اللجنة المعنية أن تراعي ما يلزم وما لا يلزم، ولتبق “الطرابيش” في مكانها الجميل الذي يحفظ مكانتها ويصونها، أي في المتاحف الفنية، فهي إرث ثمين ينبغي حفظه والاطلاع عليه، وليس ملزما

لكل ممارس لمهنة موسيقية بالضرورة.

*مؤلف وموزع وناقد موسيقي – سوريا

 

تابعونا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى