صاحب الظل ” الثقيل ” على الإعلام السوري
|| Midline-news || – الوسط – خاص …
لم تستطع قرارات التغيير في مفاصل الإعلام السوري أن ترسم على وجوه العاملين في مؤسساته سوى علامات الدهشة وأن تطلق العنان لعبارات الاستهجان وإشارات الاستفهام .
كم المفاجآت كان كبيراً ، تنوعت بين غير السارة والصادمة فالمستفزة ، لتصبح قرارات التغيير الحديث الاكثر تداولاً في الجلسات التي تجمع من يتعاطى بالشأن الإعلامي بشكل مباشر أم غير مباشر ، سخريةٌ تختلط مع سحب الدخان الذي ينفثونه مع زفراتهم التي تعكس ما يجيش قي دواخلهم من حنق وإحباط ورفض لهذه الألية في التعاطي مع الإعلام في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ بلدنا ، والتي تتطلب أقصى درجات الحرص على اختيار الأفضل والانسب والاكثر كفاءة ومهنية والأقدر على النهوض بالمؤسسة التي يتولى إدارتها ، أو النجاح بالمهمة التي توكل إليه في أي قسم أو مديرية .
وفي الوقت الذي كان من المفترض أن يكون صوت الإعلامي أقوى الأصوات خاصةً في وجه الخلل والجهل ، نلاحظ أن الأصوات تنخفض لدرجة الهمس عند الحديث عن ” صاحب الظل الثقيل ” الذي يقف خلف حملة التغييرات التي انطلقت منذ أيام ولم تصل نهايتها بعد .
وعلى خطى السَّلف في سياسة ” تبديل الطرابيش ” التي اتبعها اصحاب القرار في العزل والتكليف والنقل والإعفاء ، تستمر الإدارة الجديدة في قراراتها منذ أن تولى الاستاذ رامز ترجمان منصب وزير الإعلام ، ورغم أن الاستاذ ترجمان خرج من رحم الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون التي عمل فيها منذ تعيينه منذ اكثر من عقدين من الزمان ، وتدرج في العمل والإدارة حتى مرتبة وزير مروراً بمدير عام الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ، إلا أن الاستاذ رامز لم يكن خلال مسيرته المهنية كلها إعلامياً بالمعنى المهني الصرف للكلمة ، لذلك لا يمكن أن نحمله مسؤولية تلك الحملة وخياراتها ، خاصة أن هنالك قرارات لمؤسسات إعلامية أخرى خارج الهيئة ، وأن وقرارات أخرى يحتاج إصدارها جهة إدارية أعلى كرئاسة الحكومة فيما يخص منصب مدير عام ، كما ان الكثير من المناصب الادنى إدارياً تحتاج في بلد كسوريا إلى استشارات وتزكيات وموافقات وغير ذلك من ترتيبات شَـرْطية قبل تسلُّم بعض المفاصل في الإعلام ، وهو ما يجعل من مجموعة القرارت تلك مؤشراً مهماً على أن هنالك دوائر أعلى أو خارج الوزارة لها اليد الطولى في هذه القرارات ، إن لم نقل المُرجِّحَة ، ولدينا أمثلة قريبة طازجة على حالة ” الترجيح ” بين خيار الوزارة أو الحكومة من جهة ، و ” صاحب الظل الثقيل ” من جهة أخرى .
المحزن في الأمر ان المؤشرات جميعها تصب لصالح تحويل مهام ومسؤوليات وزارة الإعلام من صناعة وإدارة إعلام بمعايير صحيحة ، ويعبر عن رأي الناس والشارع وتطلعاتهم وطموحاتهم ، وينهض بمستوى الإعلام السوري ليكون منافساً للإعلام الأخر الذي كان أشد فتكاً بسوريا وشعبها من أسلحة دمار أخرى استخدت ضدها ، إلى مجرد مكتب تنفيذي أو منبر خطابة وإبلاغ ، ينفذ التعليمات ويبلغها للناس دون أن يكون له دور أخر ، وهو ما يهدد الإعلام السوري بمزيد من الجمود والسطحية ، والخروج من ساحة المنافسة وساحة المتابعة لصالح إعلام أعداء سوريا .
ما قدمه الإعلام السوري في سنوات الأزمة يفوق كثيراً ما كان متوقع منه ، خاصة أن حال الإعلام عند بداية الأزمة لم يكن في أحسنه ، بل كان يعاني مما يعاني منه الأن لكن بوطأةٍ أخف ، وذلك بسبب الحال المستقرة حينها ، لكن مع بداية الهجوم الشرس بكل الاسلحة المتاحة على سوريا ، كان الإعلام الغربي والخليجي وجزء كبير من الإعلام العربي ، سلاحاً تم استخدامه بأعلى إمكانية مهنية وتقنية وحرفية ، فحقق الكثير من أهداف العدوان على سوريا ، لكن الإعلام السوري استطاع بإمكانياته البسيطة أن يقف في وجه هذه الحملة ، ويثبت أنه قادر على الصمود وتثبيت بعض النقاط لصالحه ، وذلك يعود بالدرجة الأولى إلى حسن إدارة العملية السياسية في البلاد ، وحصريَّة حضوره في الميدان ، وقدرته على التواجد في كل النقاط التي كان الإعلام الخارجي يحاول النفاذ منها ، فنجد أن ثبات وحضور الإعلام السوري كان بسبب احتكاره وبعض القنوات الحليفة له ساحات الميدان ، وبذلك يفرض على الأخر متابعته ، ويتمكن من منع القنوات المعادية من استثمار خبرتها على الأرض في الفبركة والتضليل بهدف تشويه الحقائق وتحريض جمهورها الذي لايمكن للإعلام السوري منافستها أمامه ، أما على مستوى التقييم المهني والاحترافي للعمل الإعلامي والإداري في الإعلام السوري فلا يزال هنالك كماً كبيراً من مواطن الضعف والخلل التي يرعاها ” صاحب الظل الثقيل ” ويحميها بإمكاناته الكبيرة ومقدرته على تطويع القرارات والأراء لتسير في المسار الذي يحدده .
لا ضير في قرارات ” صاحب الظل الثقيل ” حين تؤدي الغرض المرجو منها ، وتهيئ البنية الأساسية لتطوير الإعلام والانتقال به من الحال التي هو فيها باتجاه الافضل ، هذا يُـتـرجم في البداية من خلال اختيار الكوادر الإعلامية والإدارية المؤهلة وصاحبة الكفاءة والقدرة على اتخاذ القرار ، والمبادرة ، والإفساح في المجال أمام الكوادر الجيدة والجديدة لتضخ دماً جديداً في شرايين المؤسسات ، وتُسهم بشكل إيجابي في نهوضها ، وهو ما لم يقرأه العاملون في الشأن الإعلامي والمتابعون له في القرارات الأخيرة ، بل قرأوا استمراراً للعبة الكراسي والطرابيش ، وهو ما يدل على أن الأليات والسياسات السابقة في التعامل مع مفردات العمل ومكوناته وأشخاصه ستسمر على الأسس القديمة ذاتها التي تنتهج إقصاء الجيدين والمتميزين لصالح الأقل كفاءة ومهنية وأكثر ولاءاً وتبعية ، ليبقى القائمون على الإدارات والمفاصل الإعلامية أميز الموجودين وأجدرهم قياساً بالحاشية الهزيلة التي يحيطون بها أنفسهم ، واستبعدوا من يمتلك القدرة الحقيقية على إنتاج إعلام ذو جدوى على كل المسارات .
لا ينقص سوريا الكوادر والخامات الجيدة والمؤهلة ، لكن ينقصها من يمتلك القدرة على استثمار وإدارة هذه الكوادر ، وتوفير مستلزمات النجاح لها وبها ، ومما لا شك فيه أن الإمكانيات المالية ليس لها أي علاقة بالتقصير أو التردي الذي يعاني منه الإعلام ، فجميعنا يعلم حجم الهدر الذي يعاني منه الإعلام السوري في جوانب كثيرة جداً ، إنفاق لا طائل منه لا بد من إيقافه وتوجيه الميزانيات والكتلة المالية الكبيرة باتجاه صحيح يُمكِّن الإعلام السوري من دعم مسيرته بشكل يظهر جلياً على الشاشات وصفحات الجرائد والمواقع وغيرها من وسائل الإعلام .
تستثمر ” المحطات المغرضة ” إعلامييها وموظفيها السوريين بأفضل شكل ، وتحارب بهم دولتهم وإعلامهم الرسمي ، هم لا يضيفون لمقدراتهم وإمكانياتهم إلا مستلزمات تقنية وإدارية تجعل منهم منتجين متميزين لمادة إعلامية “تُستثمر بكل أسف في غير مصلحة بلدهم .
مقوماتٌ أساسيةٌ بسيطة بالإمكان توفيرها للإعلامي ، عمادها مصادر متنوعة للمعلومة ، فرص مبادرة وإبداع وتطور عادلة وسليمة ، وكفاية مادية تغنيه عن مشقة السؤال والبحث ، ليكون بذلك قادراً على العطاء بأعلى إنتاجية وجدوى ، بدلاً من لُهاثه في اكثر من مسعى ليسد رمقه ورمق عائلته ، او ليُرضي من يتصدق عليه بعمل أدنى من كفاءته وإمكانياته ، لا تتوفر تلك المقومات وللأسف يضاف إلى غيابها نقاط خلل كثيرة تنعكس سلباً على الأداء والجودة والتمسك بالمؤسسة والبلد .
” التسونامي ” كما أراد البعض أن يطلق على حملة القرارات الأخيرة في وزارة الإعلام لم يلق الصدى الإيجابي في موجته الأولى ، بل على العكس يرى كثيرون أن بعض القرارات تتشابه في نتائجها مع الاثار المدمرة لما خلَّفه تسونامي المحيط ، أما اللافت للنظر في نهاية كل الكلام الذي ولَّـدَهُ هذا ” التسونامي ” هو إسم ” صاحب – ة – الظل الثقيل ” على الإعلام السوري .



