دمشق منسية .. والفساد الاجتماعي ينهش بها
ممدوح الطباع – برلين ..
|| Midline-news || – الوسط ..
عند الخامسة والنصف صباحاً ، أولى لحظات ملامسة خطوط الأفق الزرقاء الممزوجة بنهايات بنفسجية اللون ، تشعر باستيقاظ المكان ، يندفق الحب ، والدفء يحاصرك من كل زاوية ، حتى أنك تستطيع في تلك اللحظة تذوق طعم الجوري والياسمين بالحنجرة أكثر منه بالأنف ، لا ضجيج مريب ولا هدوء قاتل ، فالعطر منثور والشمس تذيب القلوب والابتسامة تملأ الوجوه .
لا أكاد أستطيع أن أنسى ابتسامة أبو محمد بائع القهوة في الصباح بجانب حديقة الجاحظ في منطقة أبو رمانة ، فهناك كنت أحادث دمشق وتحادثني ، أًتكئ على شجرة ” النانرج ” العتيقة تلك ، كانت تهديني ظل أوراقها وعبير زهرها ، من تذوق ” نانرج ” دمشق لن يتوقف للحظة عن عشق المدينة .
إنّ الوجه التاريخي والحضاري لدمشق هو ليس وحده الطابع الذي تتميز به المدينة ، فأهل دمشق هم في الحقيقة من يعطون لهذه الأرض طعماً ولون ورائحة ، فدمشق في المنظور المادي هي مدينة تاريخية قديمة تتميز بمعالمها وشوارعها العتيقة والتي مُزجت بالحداثة في بعض مناطقها ، ونهرها العظيم بردى الذي يزين أجزاء عديدة من المدينة ، ولكن دمشق دون أهلها هي حجر وبيوت فارغة لا طعم لها ولا لون ولا رائحة ، ومن دون أهل دمشق لن تبقى المدينة جميلة ولن يستطيع إنعاش هذه المدينة أياً كان كما كانت في عهدها سابقاً ، فكما يقال ” أهل مكة أدرى بشعابها ” فأيضاً ” أهل دمشق أدرى بشعابها ، وبجمالها وبشوارعها ، وبعراقتها “.
مذ تدهور الوضع الاقتصادي في سورية نتيجة الحرب الدائرة ، يعاني سكان دمشق بشكل خاص من ذوي الفئة المتوسطة الدخل والفئة المحدودة الدخل بالإضافة إلى فئة ” الدراويش ” صعوبات في تأمين لقمة العيش ، وتأمين احتياجات الحياة اليومية ، وهذا الأمر الذي ليس بالجديد أو غير المعلن عنه ، فحالة الحروب بشكل عام تولّد حالة من انعدام الأمن والأمان وهو ما يقود إلى تدهور اقتصادي ، فاجتماعي ، وهنا بيت القصيد .
لم نكن قبل الحرب نرى مشاهد عائلات بأكملها تنام تحت الجسور أو في الشوارع ، ولم نكن نرى عند كل زاوية أو إشارة ضوئية أطفالاً تنتظر ، سائلة إياك إعطائها ثمن ” صندويشة ” أو حليب لأخيها الصغير ، ولم تكن تلك الإمرأة لتضع رضيعها في حضنها على زاوية مدخل سوق الصالحية بجانب البرلمان تماماً ، وتبكي طوال النهار علّ أحدهم يشعر بحالها ويساعدها ، ناهيك عن شبكات الدعارة التي تملأ شوارع المدينة ليلاً ، فما أن تقارب الساعة التاسعة مساءاً ، حتى نبدأ نلاحظ على امتداد شارع الحمراء ومنطقة الشعلان وخلف فندق الشام تجول بائعات الهوى بثياب مزركشة مشينة تثير الاشمئزاز للفت الأنظار ، في انتظار العميل الذي غالباً ما ياتي بسيارة ذات زجاج أسود مع اختلاف الشخصيات والألوان والطبقة الاجتماعية لهؤلاء ! .
ناريمان ، أو رشا ، أو أياً كان هو الاسم الحقيقي لهذه الفتاة ، هي أم لطفلين خسرت زوجها في أتون الحرب الحاصلة تقول : ” أعمل هنا تقريباً كل يوم خسرت كل شيئ ولا أستطيع إيجاد فرصة عمل تستيطع تأمين مستلزمات العيش لي ولأطفالي ، أحمل شهادة إعدادية ولا أحد يريد تشغيلي فالكل يقول ليس لديك شهادة أو خبرة كافية ، او أنهم لا يريدون أحداً هنا ، لكن هنا أستطيع في ليلة واحدة تأمين مبلغ المال الذي سوف يعطوني إياه في شهر كامل ! “.
” في البداية لم أقدر بهذه السهولة على الوقوف في الطريق وعرض جسدي للبيع ، كنت أشعر بالخجل ، لكن التفكير بأطفالي وسؤالهم لي عن الطعام الذي بحوزتي كان دائماً الشغل الشاغل لي ، بالإضافة لأجرة البيت الذي أعيش فيه ، ومصاريف أخرى لا تخطر على البال ، لقدّ تعودت وأصبحت لا أشعر بشيئ عند ممارسة الجنس فالأسوأ حصل لي ، فما سيأتي لن يكون أسوأ مما حصل ! ” .
في الواقع إلى اليوم لم تصدر تقارير عن الحكومة السورية بالعدد الصحيح للأشخاص المتضررين من الحرب ، أو لعدد الأشخاص والأطفال الذين يعانون من حال الفقر المزمن أو ممن لا يملكون مأوى أو مسكناً للعيش فيه ، المركز الصحفي لليونيسيف يتحدث في تقريره الأخير في 21 تشرين الاول من عام 2016 عن الأطفال الذي تضرروا بانقطاعهم عن التعليم بسبب تضرر المنشآت التعليمية وغياب الكوادر الكافية ، حيث قال التقرير : “مع بدء العام الدراسي في سوريا ، لا يزال أكثر من 1.7 مليون طفل خارج المدرسة ، و1.3 مليون طفل آخرين معرّضون لخطر التّسرّب ، وفقا لبيانات جديدة حول وضع التّعليم ” .
” وتستمرّ عدّة عوامل في إجبار الأطفال على البقاء خارج المدرسة وحرمانهم من حقّهم في التّعليم ، منها تصاعد العنف والنّزوح وتفاقم الفقر إلى جانب النّقص في الموارد التّي يحتاجها نظام الّـتعليم الّذي يعمل فوق طاقته ” .
في حين تعمل العديد من الجمعيات المحلية والأهلية على محاولة مساعدة أكبر عدد ممكن من المتضررين من أعمال الحرب في دمشق ، نلحظ وجود ما يقارب الخمسين جمعية أهلية ومحلية أو منظمات غير حكومية تعمل في المجال الإغاثي من أجل مساعدة هؤلاء ، ولكن مع تزايد الأعداد المهاجرة إلى دمشق من مناطق الشمال السوري أصبح التعداد السكاني للمدينة مايقارب الستة ملايين وخمسمائة ألف شخص ، في حين أنه كان عدد سكان دمشق بحسب المكتب المركزي للإحصاء في عام 2011 مايقارب المليون وثمانمائة ألف في العاصمة وما يقارب الخمسة ملايين مع محافظة ريف دمشق التابعة لها إدارياً ، حيث أنّ العديد من السكان يعملون في العاصمة ويتوجهون مساءاً باتجاه ريف دمشق .
بحسب التقارير الحكومية السورية لعام 2010 ، لم يكن عدد الأشخاص الذين يعانون من الفقر المزمن يتجاوز رقم الألفي شخص ، وهو الأمر الذي يعد بالجيد جداً اعتماداً على نسبة عدد سكان المدينة والذي يقارب المليون وثمانمائة ألف شخص كما ذكرناه سابقا ، لكن الاختلاف اليوم هو انشغال الحكومة بتمويل الأعمل الحربية على حساب العديد من الأسر المحتاجة ، وتراجع كبير في القدرات المادية للجمعيات الأهلية والمحلية التي تعنى بشؤون مساعدة الأسر المحتاجة ، ناهيك عن رفع الدعم الحكومي لعدد كبير من السلع ، وانهيار الليرة السورية بشكل غير مسبوق في سعر الصرف .
لا ندري إلى متى سوف تستمر هذه الحرب التي تعصف ببلادنا ، ولكن أشعر بالخجل مما يحصل هنا فما الذنب الذي ارتكبه هذا الطفل ، وما هو ذنب تلك المرأة العجوز لتتسول في آخر أيام حياتها ، وماذنب هذه الأم لتمارس الفاحشة مع أقذر ما أنتجته هذه الحرب لنا ، وإلى متى سوف يبقى تجار هذه الحرب ينهشون الأخضر واليابس على حسابمستقبلنا ومستقبل أطفالنا ، ومتى سوف ننعم بقرارات حكومية حقيقة تحفظ حق المواطن وترعاه وتدافع عنه ، ولا تضعه كما يقال في لعبة طاولة النرد ” في خانة اليك ” .
ليت التاريخ يعيد لنا الشاعر أحمد شوقي مرة أخرى ليرى حال دمشق ويبكي عليها كما فعل عندما أحرقها الفرنسيون عام 1925 ، علَّ في الرثاء جدوى ، وحال لساني يقول :
سلامٌ من صَبا بردى أرقُّ * ودمعٌ لا يُكفكفُ يا دمشقُ



