رأي

يوسف المستعاد!؟.. د. نهلة عيسى ..

  يوسف المستعاد ..                         

أصبح التوجس رفيقاً ملازماً للسوريين, تغذيه تصريحات حكومية مواربة, غالباً ما تأتي تمهيداً لارتفاع جديد في أثمان كل الأشياء, بداية بالطعام ونهاية بالدواء, مما جعل كل الأشياء, بما فيها البديهيات فوق أقصى طاقة السوريين على رتق ثقوب جدران معيشتهم بالصور الملونة!.

والمشكلة التي باتت مزمنة, أن من يتصدى من المسؤولين لتفسير وتبرير الواقعين المعيشي والخدمي المترديين, يُدخل السوريين في متاهة من الأرقام وأحاجي الأسعار العالمية, وفي طابور “أنظر حولك” دون أن يحدد موعداً لنهاية الوقوف في هذا الطابور الطويل!؟.

وهو طابور لطالما اعتاد السوريون الوقوف فيه منذ أن سكنت القضية الفلسطينية أدراج المنظمات الدولية, ودخلت متاهات اللغة, حيث الفارق كبير بين من “أراضٍ” وبين من “الأراضي”, ودار الزمان .. فمحا غبار الصحاري, الألف واللام, وداهم الزلزال “الكامب ديفيدي” الرصيف العتيق من المحيط إلى الخليج, فمزق حتى “أراضٍ” من الوريد إلى الوريد, فامتطت “أوسلو” شعار “القدس عاصمة الدولة الفلسطينية”, خشبة خلاص من عار وئد “فلسطين من البحر إلى النهر”, فملأت البحر القواعد العسكرية الأمريكية, وتلون النهر بدماء أصحاب النهر, بعد أن باتت سراويل معظم الحكام العرب, صناعة إسرائيلية!؟.

ومنذ تربوا على تقبيل أيادي كل من ينادي “فلسطين”, فصارت الأيادي وثن, وتم تحنيط فلسطين, وتحولت إلى “جرن” كلامي للاستحمام من الهوان فوق بلاط آذان الشعوب العربية, غير مسموح فيه إعادة التصويت على من يتحدثون باسم القضية, فهم أبديون, مكرّسون, دخلوا التاريخ من باب فلسطين, وأدخلوا فلسطين زواريب مجلس الأمن, ومجلس الجامعة العربية, ومؤتمر الوحدة الإسلامية, وكل مجالس الندب والعزاء في التلفزيونات العربية!.

ومنذ تعلموا الغضب من “وعد بلفور وسايكس بيكو”,  ثم أُجبروا على الاحتفال بالطبول بأعياد استقلال, هي نتاج “سايكس بيكو”, وأدمنوا الخطب الحماسية, والوعود الخلبية, والمرارة, وحرقة مالحة بالذنب, أن فلسطين خلف الباب, لكن هم من تأخروا في قرع الباب, فتحولوا طوعاً إلى قبيلة من الطرشان, لأن الطرش “جنرال نصر” في ساحة هزيمة, وأداة تطهر من صقيع المعرفة, أن كل ما يقال ضلال!؟.

ولذلك فقد جلسوا مرغمين على مقاعد السين وسوف, وكل الحروف الزائدة, و “ما” بعد “إذا”, فتطايروا وتفتتوا, وراقبوا كل شيء حولهم, قيل لهم: انه لهم .. يرحل, يركب قطار الضد ويمضي, فباتوا كالتائهين في شبكة الكلمات المتقاطعة, يعرفون كل الإجابات, ولكنهم يعرفون أيضاً, أنها ستبقى للتسلية!! وأنهم أشبه بالمواطنين بحكم المستقيلين, داسهم التهميش, وطمرهم الانتظار في صقيع صالة “لا مسافر ولا مقيم”, فحولوا غربتهم وطوابيراهم إلى ضوضاء مروعة مدمرة, وحرقوا الصالة, والجواز, وحقائب السفر, ثم طالبو بالعودة إلى حضن الوطن!!.

والطريف أنه رغم العودة إلى “حضن الوطن”, لا أحد يبحث عن مبرر لما يجري وجرى, ويدعي انه نبي, وزرقاء اليمامة, بل عرافة بني تغلب تستجر ببرود محايد, وقائع الغد, لأن الكل يخاف العودة إلى الأمس, إلى الحرب, لأنه يعرف أنه جزء مما جرى, وأن اهتراء قرص الشمس فوق دمشق, هو بعض من تجاعيد خيبات الكل, وبعض من تمزق أقنعة البعض, حيث “يوسف” يستعاد من فجر التاريخ, ليُلقى في البئر مئة مرة ومرة, وحيث يعقوب مُودَعٌ في دارٍ للمسنين بحكم المحكمة, وحيث التوجس اليائس آلية دفاع ضد انهيارات الرماد في منجم الوطن المهجور, ربما يتكشف عن ماسٍ لم يحسب حسابه من يريد أن ننظر حولنا وسط عاصفة من الغبار!؟.

*أستاذة جامعية – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى