رأي

هون ومش هون!؟ .. د. نهلة عيسى ..

 

يبدو أن عشرية وعشرة الحرب, علمتنا أن نحارب يومنا “بالتطنيش”, أو ما أسميه وضع “الطيران”, أو على رأي العظيمة فيروز “هون ومش هون”, ذلك أن معظم تفاصيل حياتنا, تجعلنا قريبو الشبه إلى حد كبير بالتليفون الجوال, إلا أننا لا نمتلك ميزاته, ولا حسن حظه, إذ على عكس الجوال لا نستطيع عندما يشقينا العقل, أو يهزمنا الحزن, أو يعيينا نق وتذمر الآخرين, أن نحتمي بعلمية وحيادية برمجتنا, التي لا تفهم الحزن, ولا تتفاعل مع الزهق, ولا يشقيها شيء, كما أننا لا نستطيع الادعاء أن بطاريتنا قد قاربت على النفاذ, لننسحب إلى قابس الصمت أو النسيان, حيث الأمس بكل ما فيه ليس جزءً من اليوم, وحيث كل لحظة من الحياة, سلعة سريعة العطب, تموت بذكرياتها, فور انتهائها, ويموت معها الوجع!.

أصدقائي يضحكون عندما يتكاثف غضبي كالبخار على مرايا الروح, فأصرخ: ليتني آلة يتم فكها كل حين ومين للصيانة, حينها يمكن لي أن أرتدي آليتي قميصاً مضاداً للقرف, وأرتدي العبث مانعاً للسأم, وأربط اللامبالاة على طرف قلمي, فتنهض الحروف من عرجها, وتركض على السطور متحاملة على الوجع, ومتجاوزة قدرة أصابعي على اللحاق بها, لترسم على بياض الورق كلاماً ملوناً, شبيه بوجوه المهرجين, فيه كل الملامح, ويمكن أن يرضي الجميع, والأجمل أنه لا يكشف الملامح الحقيقية للوجه!!

على “وضع الطيران” يرابط  وطني, والجروح في القلب أشبه بالجريمة, وشهادة زور على الحرب, وهي تقتل, وتذبح, وتهدم وتحرق وتخرب أجمل ما فينا, وتمنع تحليق الفراشات والعصافير, وتجبرها على إخفاء أجنحتها, وقص مناقيرها, والتزام الصمت أو الموت, والغد في البال مثل نقطة تحت علامة تعجب, يليها استفهام, وبعده انكسار, يحسد الجوال أنه آلة!.

وسط الحرب, والليل بهيم طويل, وإشارات الاستفهام تتربص بي, أمعن في التجوال داخل الجرح, مربعاً تلو مستطيل والكل في دائرة, أنتقل من الليل إلى الفجر, ومن الحيرة إلى التصميم, ومن التساؤل إلى اليقين: بأن هناك قراراً اتخذناه دون أن ندري جميعاً, بأن نلتزم وضع الطيران, حيث الفوارق بين الحي والمقدد, والثورة والمذبحة, والشجرة والمشنقة, وبين الموت ركوعاً, والركوع وعلى الكتف بندقية باتت مائعة وملتبسة واشكالية, وحيث الحروف تصطك غيظاً, والسؤال حصار أمام هلامية الغد, وصمم الأذن عن سماع أغنية فيروزية في صباح يتوسل الدفء من القلب, ويجبر الضوء على أن يغسل عن العين رماد الخيبات, ويعيدني طفلة صغيرة كنتها بالأمس, فقط بالأمس, وبات حلمها اليوم أن تغادر العيش من “وضع الطيران”!؟.

هل تضحكون؟ ليتكم تضحكون, لأنسى وسط القهقهات, كيف صرنا نعوات في ركن من جريدة, تزدحم بقية صفحاتها بخيباتنا وخزي أيامنا, وكيف صار الوطن قرص جبنة رومية, كلما سددنا فيه ثقباً, نهشته من الخارج والداخل الوحوش الضارية, وأحدثت فيه ألف ثقب وثقب, لتصير القدمان نعشاً, وكل يوم جديد, أشبه بإعادة تمثيل الجريمة, ودماء الأحبة تغطي الوجه, والقضاة متعجلون, ليس مهماً لديهم من الشاة ومن الذئب, المهم أن تبدو المحاكمة منطقية, فهل بعد ذلك تسألونني لماذا حلمي أن أكون آلية!؟.

ولماذا أستيقظ كل صباح, لأرتدي وجهي المألوف, وأربط على حبل الفم ابتسامة ودودة غبية, وأرفع يدي بين المتر والمتر بالتحية, ثم أدخل مكتبي لأوقع أوراقاً نمطية, وقعت مثلها منذ عام, وسأوقع مثلها بعد عام, وستمضي عشرات الأعوام وغيري يجيب على ذات الاسئلة بنفس الأجوبة, ثم قد يخرج واحد بعد ألف عام عن النمط, فنسمع في قبورنا توسله, وهو يعتذر: سامحوني, فقد اخطأت لم أكن أعرف أن الاجابة عن السؤال, هي ذات الاجابة من ألف عام, فنرد من قبورنا: يا غبي: في بلادنا, خير الإجابات, أن تكون “هون ومش هون”!!

 

*أستاذة جامعية – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى