طالب و ماريا درويش – هل حقاً الإعلام السوري فاشل ولماذا ؟
|| Midline-news || – الوسط ..
أجمل مافي لقاء الرئيس بشار الأسد لصحيفة الوطن السورية ، أنه لم يتوقف عند الكلام عن الانتصار الكبير الذي يسطره جيشنا في ساحات القتال ، بل تكلّم عن السلبيات و الأسباب التي تقف خلف العديد من الظواهر الاجتماعية والسياسية التي نعاني منها منذ عقود ، وظهرت نتائجها بشكل واضح خلال سنوات الحرب ، فبمعرض جوابه على الكثير من الأسئلة ، تناول سيادة الرئيس معظم الجوانب السياسية والعسكرية والإقتصادية والإعلامية التي تعيشها سوريا اليوم ، وكان الملفت بكلام سيادته الحديث عن حالة الإعلام السوري ووصفه بأنه مترّهل ويعاني من البيروقراطية .
دعونا نتوقف قليلاً عند هذه الجزئية التي ركزّ عليها سيادة الرئيس ، لنفهم تماماً لماذا خصّ الإعلام بهذا الكلام ، وهنا لا أنكر بأنني استثمر بكلام سيادته لإيصال فكرة كان من الصعب أن تصل لو تحدثنا عنها نحن كإعلاميين “مستقلين “، لأننا بالتأكيد كنّا سنواجه بسيل جارف من الإتهامات والتخوين أقلها ” العمالة والإرتهان للخارج ” ، وهذه العقلية الساعية الى إسكات الكلمة وتقييد قائلها ، تُعتبر أحد أهم أسباب فشل الإعلام السوري ، فالصحفي دائماً وقبل أن يطرح أي قضية للرأي العام يدخل بعملية حسابات معقدة لكل كلمة يكتبها ، إلّا أنّ هذه المرّة لن يستطيع المتربصون بأصوات الإصلاح إتهام هذا الصوت الإصلاحي بالعبارات المعهودة ( الوقت غير مناسب الآن للحديث عن الفساد ، أو بالإرتهان للخارج ، أو بالسعي وراء مصالح شخصية ضيقة كالشهرة وحب الظهور أو بالتنظير الفارغ ) ، وهي إتهامات جاهزة يتسلح بها دائماً كل من أبتليّ بالفساد أو بفوبيا التغيير ، ويرفعونها بوجه كل صحافي يقارب هذا الملف الحساس .
االرئيس الأسد بما يمثله من رمز ، هو اليوم من يتكلم عن الفساد ، وهو الذي يحمى سيادة واستقلال القرار الوطني ، وهو الذي يُشغل الشرق والغرب بصموده وانتصاره إلى جانب جيشه وشعبه على محور أميركا .فليسمح لنا أعداء التغيير أن نتوقف قليلاً عند كلام سيادته ، حيث يقول الرئيس الأسد في حواره لصحيفة الوطن ” الإعلام هو عملية تطوّر طويلة ، والعقلية الموجودة داخل المؤسسات الإعلامية والمعنية بفكرة تطوير الخطاب الإعلامي السوري لم تتمكن من التأقلم مع هذه الحالة ، هي تمكنتْ من تحقيق نقلة ، ولكنها لم تكن كافية ؛ فالحرب كانت بحاجة إلى نقلة أكبر ، أضف إلى ذلك طبيعة البيروقراطية التي يرتبط بها الإعلام الرسمي والتي تسمح أحياناً لكثير من المؤسسات الأخرى غير الإعلامية ، بالتدخل في عمل الإعلام وبالتالي تعرقل أكثر أي عملية تطوير ، ما نقوم به الآن – لنقل – هو عملية تنظيف للمؤسسة الإعلامية .. وهذه من مهام الحكومة الجديدة في المجال الإعلامي وتحديداً وزارة الإعلام ، هي عملية تنظيف المؤسسات الإعلامية من الفساد ومن الترهل ، لأنه ببقاء هاتين الحالتين لا يمكن أن يتطور الإعلام ، فالخطاب الإعلامي لا يتطور فقط بوجود حالة فكرية ، هو بحاجة لحالة إدارية ، فهذه هي الخطوة الأولى” انتهى الاقتباس .
الأمر لايحتاج إلى الكثير من الذكاء للاستدلال على الجهات التي تحدث عنها السيد الرئيس عندما قال أن هناك عملية تدخل تقوم بها مؤسسات أخرى بعمل الإعلام ، مما يعيق عملية تطوره ، وجميعنا يعلم من هي المؤسسات القادرة على التدخل ليس فقط بملف الإعلام ، بل بكافة الملفات والوزارات ولايستطيع أحد أن يردعها أو أن يضع لها حداً ، بسبب السلطة اللامحدودة التي تمتلكها ، وإمساكها بكافة مفاصل العمل الإعلامي ليس إدراياً وحسب ، بل حتى فكرياً ومهنياً ، إنّ عملية التطور والتغيير في المفاهيم الاجتماعية لاتختلف كثيراً عنها في المفاهيم الرياضية المنطقية ، فالمقدمات المحددة والواضحة تؤدي الى نتائج محددة وواضحة ، و دائماً في الرياضيات هناك متغيير مستقل ، يتدخل ليُحدث نتيجة وتأثير ، تُسمّى هذه النتيجة الجديدة بالمتغيير التابع ، ولهذا عندما نريد الحكم على الإعلام يجب علينا تشخيص المتغير المستقل وتحديده ، وأي أثر يحدث جراء تدخله ، فإن كانت جيدة فلنشجعه على التدخل ، وإن كانت سيئة ” وهي سيئة جداً ” ، علينا كف يده و إنهاء تأثيره ، وهكذا نكون قد حققنا الخطوة الأولى في عملية التغيير ، لننتقل بعدها الى مربع آخر ، وهو مضمون الرسالة الإعلامية وتأثيرها في الجمهور المستهدف ، وهنا تصبح المهمة موكلة إلى الكادر الإعلامي بكافة مستوياته ويكون المنتج محصلة لجهوده وفكره وأسلوبه ، وبالتالي المحاسبة تصبح ممكنة في ضوء ما تحقق فعلاً .
قد تكون المقدمات في الرياضيات واضحة أكثر مما هي عليه في المفاهيم الاجتماعية ، فالرقم سهل الإدراك ، أما في المعادلة الاجتماعية الإدارية لا أحد يستطيع وضع مقدمة واضحة وصريحة ، لذلك يتم وضع القانون كمعيار حقيقي لتحديد شكل المقدمات المطلوبة في العمل الإداري ، فعندما تلتزم المؤسسات الحكومية بتطبيق القانون الداخلي للمؤسسة كمعيار للتوظيف والترقية والعقوبة ، نستطيع القول بأنها مؤسسة حقيقية مسؤولة عن الفشل وعن النجاح ، ونستطيع حينها تطبيق قانون المحاسبة بناءً على نوعية إنتاجها ، أمّا أن يكون معيار التوظيف والترقية والإقصاء خاضع لرغبات وشهوات وعقلية بعض المتنفذين العاملين بمؤسسات تمتلك سلطات واسعة من خارج مؤسسة الإعلام ، فحينها بالتأكيد لايمكن أن نقول بأنّ الإعلام السوري فاشل ، بل بكل بساطة نقول أنّ السلطة المتدخلة فاشلة وبتدخلها هذا أفشلت الإعلام وأفقدتنا سلاح خطير أدى إلى تغييب الوعي الجمعي لشرائح واسعة من المجتمع السوري وفي النهاية أدى إلى سرقة هذا الوعي واختطافه ، وكانت النتيجة آلاف المخطوفين والمُغيّبين عقلياً ، يحملون السلاح ليحاربوا به أبناء وطنهم خدمةً لمصالح خارجية .
سؤال لطالما تردد حول الإعلاميين السوريين يكشف مكامن الخلل والتي تؤكد فكرة السيد الرئيس بأن المشكلة إدارية بيروقراطية ، ناجمة عن تدخل مؤسسات أخرى بعمل الإعلام ، السؤال هو : لماذا الإعلامي السوري يُبدع خارج وطنه ويلمع نجمه ، كما هو حال السوريين في الخليج ولبنان ، بينما يبقى مجرد موظف عندما يعمل في المؤسسات الحكومية ، يرافقه شعور دائم بأنّ هذا المكان لايليق به ولا بقدراته وأحلامه ؟ سؤال آخرُ أهم : لماذا نجحت سوريا بالنهوض بقطاع صناعة الدراما واحتلت موقع ريادي على مستوى العالم العربي وحتى على مستوى الساحة الدولية بينما فشلت إعلامياً بالوصول الى إدراك المواطن السوري والاستحواذ على اهتمامه ؟ هل الممثل السوري مثلاً أو المخرج يمتلك عقلية أخرى تختلف عن عقل مئات الإعلاميين السوريين المبدعين ؟ ألم يخرج الجميع من مدرسة واحدة ومجتمع واحد ووطن واحد ، فلماذا النجاح هنا والفشل هناك ؟ بالتأكيد أنهما متشابهان بكل شيء والفرق الوحيد أن الدولة السورية قررت حقاً بعد عام1990 أن يكون هناك قطاع درامي ناجح ، يجلب المليارات الخليجية للإستثمار في سوريا ، وهكذا عملت على توفير كل مستلزمات نجاع الدراما السورية وكانت النتائج باهرة ، وانعكست إيجاباً على كافة المجالات الثقافية والسياحية والاقتصادية والاجتماعية من خلال نجاح الدراما السورية ، فلماذا لا تُتخذ خطوات مشابهة على صعيد تحرير الإعلام ؟ والإعلام أيضاً يجلب لنا الإستثمارات بالمليارات ويُشغِّل عشرات آلاف الخريجين الجامعيين ويستطيع قيادة الرأي العام وتوجيهه وحمايته من الإنقياد خلف مشاريع إعلامية مشبوهة ، إنّ التركيز على الإعلام لايعني إهمال المجالات الأخرى ، فدولة المؤسسات لا تتجزأ ، ولايجوز أن يكون العمل الإعلامي مؤطر ضمن عمل مؤسساتي حقيقي بينما عمل وزارة المياه “على سبيل المثال لا الحصر ” يخضع لعمل لا مؤسساتي ، لكن التركيز على الإعلام جاء كونه أحد أدوات المواجهة التي يخوضها جيشنا ، وبالتالي فإنّ أي تأخير أو تأجيل في عملية التغيير هذه تعني تقاعس عن حماية الوطن ، فمكان الإعلام لايجوز أن يبقى شاغراً بعد اليوم ، وأملنا بقدرة تيار الإصلاح بقيادة الرئيس الأسد على مواجهة العقلية المتحجرة وتحجميها ، هو أمل كبير يزداد يوماً بعد يوم .
طالب و ماريا درويش …
الآراء المذكورة في المقالات لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع وإنما تعبّر عن رأي أصحابها حصراً



