رأي

مريدون وظروف يستجدون نبياً .. فراس القاضي

|| Midline-news || – الوسط

 

بعد موجة السخرية من مدّعي النبوّة اللبناني (نشأت مجد النور)، – والتي شاركت فيها بكامل رغبتي وإرادتي بمشاركة من يُدعَون بـ “القطيع” من قِبل الذين لا يرون في طرح آرائهم والشرح بإسهاب عن اهتماماتهم البعيدة غالباً عن الواقع والناس أية قطيعية مهما كثر الحديث عنها، ويصرون أن كل ما يفعلونه نخبويّ لذا لا نفهمه ولا نقدره – سألتُ نفسي: لمِ لا آخذ الموضوع بقليل من الجدية؟.

راجعتُ ما بذاكرتي من معلومات عن الأنبياء، عن معجزاتهم، عن كتبهم المُنزَلة، عن ملائكتهم الناقلين، عن لغتهم، عن طُرق تبلغ الناس بنزولهم، عمّا جاؤوا به، وأخيراً والأهم، عن جمهورهم وظروفه وقت النزول، فوجدتُ أنه ربما علينا عدم الاستعجال بالتسخيف والاستخفاف بما قد يفعله مدّعو النبوة في القرن الواحد والعشرين إن وُجدوا، ولا أقصد (نشأت مجد النور) تحديداً، وكذلك لا أقصد بطلب التريث إمكانية أن يكون ما يدعون إليه حقيقياً، وإنما من ناحية جمع الأنصار والمريدين، لأنني أعتقد أنه بإمكان أيّ شخص لديه ما يكفي من الذكاء لالتقاط هذه اللحظة الخطيرة من تاريخ البشرية، والتي يسود فيها الفقر، والحاجة، والضياع، وشهوة القتل، وسهولته، وتغيّر الأولويات الشخصية والعامة، أن يقود الكثير من الناس، وخاصة الفقراء الذين ساعدوا في تغيير نظرية ضرورة البحث عن المكان الذي تؤكل منه الكتف، لأنهم تحولوا بكليتهم إلى كتف فقط، كتفٌ يعرضه أصحابه بكامل إرادتهم للراغبين بالأكل.. مقابل الأكل أيضاً.

أعرف أباً مستعداً للإيمان بألوهية مدفأة، إن أمّنت بعض الدفء لأولاده، وللصلاة لبائع الخضروات إن خصّص لهم بعض الفاكهة ليتعرفوا إلى طعمها، وأمّاً مستعدة للطواف حول محل بائع اللحوم مع أداء كل شعائر الحج إن ساعدها لتجيب أولادها عن سؤال: كيف هو طعم اللحم؟.

أوضاع الناس في كل الكوكب وليس في منطقتنا فقط، مع اختلاف الاحتياجات طبعاً، تشبه إلى حدٍ كبير أوضاعهم في أزمنة هبوط الرسالات التي جاءت لتجيب على أسئلة كثيرة تجمعت لدى الناس حول كل شيء، ولتنقذ من اجتمعت الديانات على توصيفهم بالمستضعفين، وإن كانت بعض الإجابات غير مقنعة للبعض، فهذا لا يهم، المهم أن يكون المقتنعون الآن، أو مستقبلاً أكثر وأقوى منهم.

أما النتيجة الحتمية والمكررة لفكرة امتلاك الإله ومفاتيح النعيم التي تحوّل المستضعَف إلى مستضعِف، فصار لها تبريرات كثيرة، أشهرها وأسهلها: خطأ فردي. وربما وجود الأنبياء الحقيقيين أو الكذابين في منطقتنا دوماً سببه بسيط، وهو أننا لا نتعلم من التاريخ ولا من الجغرافيا، ولا بد من إعادة تذكيرنا كل فترة ببديهيات وألف باء الحياة، وأيضاً لا بد من وجود ذكيٍ ما سيلتقط هذه اللحظة ويبني عليها رسالته.

ومن ناحية أخرى، لو كان هناك نبي أو رسول بالفعل، فهل سيجد وسيلة لنشر ما يريده أفضل من وسائل التواصل وجمهورها؟ هل سيحلم بمريدين أفضل من الذين يصدقون أن ماغي خزام مبشّرة، وميشيل حايك متنبئ، ويسر دولي شاعر، وحسن شاكوش مطرب، وسمير جعجع سياسي، والصحف والتلفزيونات السورية إعلام، ونيتشه يحسد ابن تيمية على فكره؟.

لا أعتقد أن هناك من خطر بباله أننا سنرجع بالزمن إلى يوم نحتاج فيه إلهاً من تمرٍ نأكله حين نجوع، لذا، إن لم يكن نشأت، فسيأتي غيره ويستغل هذه اللحظة، لحظة الخواء الداخلي عند من يمتلكون كل شيء في الحياة وبحاجة لجديد ما، وبالمقابل لحظة الخوف عند من لا يمتلكون شيئاً من أن تكون هذه هي أقدارهم التي لن تتبدل.. أي في اللحظة النادرة التي يصير فيها الناس على ذات المسافة من الإيمان ومن الكفر.

*صحافي سوري

 

صفحتنا على فيس بوك

https://www.facebook.com/alwasatmidlinenews

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى