رأي

لملمة ما بقي!؟ .. د. نهلة عيسى ..

لملمة ما بقي!؟ ..

يبدو أننا على أبواب حرب آن أوانها, والغريب أننا منها لا نتذمر, رغم أننا في العادة من كل شيء نتذمر, فمنذ وعيت, بالكاد مر يوم في حياتي, لم أسمع فيه أحد من أقاربي أو اصدقائي يتأفف من عمله, ويشكو مر الشكوى من متاعب وظيفته, ومللها, وضآلة عائديها المادي والمعنوي, يستوي في ذلك عامل النظافة, وأستاذ الجامعة, ولكل منهما على البون الشاسع بين عمليهما, دوافعه ومبرراته التي قد تصل بالسامع لهما .. حد الاكتئاب, تحت تأثير صدق تذمرهما, وقوة حججهما, والصقيع القاتل الذي يكسو ملامحهما!.

إلا أنني ورغم تعاطفي, بل ربما اشفاقي على من يعمل في مهنة لا ترضيه, ولا تُكمله, ولا تُوازنه, ولا تجعله بعضاً من الحياة يمد يديه نحو الكواكب, وصرخات جذلى يموت إذا لم يطلقها, أجد أن أصعب الوظائف وأشقاها, وأقلها عائداً, ومدعاة للرضا والقناعة, هي أن يكون المرء, مواطنة أو مواطناً, أماً أو أباً, أختاً أو أخاً, عماً أو خالاً, صديقة أو صديقاً, حبيبة أو حبيباً, أو قريباً ولو من بعيد!؟.

ذلك ,لأن علاقات العقد الاجتماعي, والرحم, والتراحم, والحب “الشرعية”, في بلادنا – واعذروا صدقي -, تخلو غالباً من, “الحب”, ومن التراحم, وتحتمي لتستمر, ولو وهماً, “بالمثالية”, وبالتستر, وبالتعود, وغموض العلاقة, وإبهام الرفض, وأقاويل السلف الصالح, وبالآيات القرآنية, تحض على الطاعة, ونُجمل نحن “الطاعة”, ونسميها “حباً”, ألم تثبت السنوات الأخيرة أن حبنا للوطن على سبيل المثال لا الحصر, كان مجرد أغاني “ثورية”, وبعضاً من تلك الأقاويل!؟.

وعلاقات فارغة, أوهى من بيت العنكبوت, يسكنها الادعاء, وبؤس القبول بالأمر الواقع, والخوف من الخروج على السائد, وببغائية التقاليد, وفجيعة النكتة السوداء, وغربة التربية في ظل العصا, والخوف من الموت عصاة, فتصبح الحياة مجرد غرفة لانتظار الموت, حيث تبدو كل الأشياء إجبار, وليس هناك من خيار, سوى الغوص في دخان العماء, والحب الكاذب كابتسامات سيدات الجمعيات الخيرية, لتفادي سوط المساءلة, والسؤال!.

هل أوجعكم, هل أجبركم على خلع قفازات التجاهل, وسرج الصمت, ولجام الخطابات الوطنية, تدعي أننا بألف خير؟ صدقوني .. نحن لسنا بخير, وهذا أوان تسديد الفواتير, لأن الوطن في خطر, ولن يحميه التاريخ الذي عنا ارتحل, والمشكلة أننا كلنا على ذلك نتستر, بدلاً من أن ننظم معاً مسيرة القاء القبض على مستقبلنا, لذلك فمواطنتنا مزعومة, مثل أبوتنا وأمومتنا, وصداقاتنا, وقراباتنا, وعلاقاتنا العاطفية, طقس من اللامبالاة, بل طقس من طقوس القطيع!؟.

هل أوجعكم؟ دعوني أعترف لكم, أريد أن أوجعنا جميعاً, خاصة أنه ليس لدي شهية لتملق أحد, وليس معروفاً عني – فيما يتعلق بالوطن – الطبطبة على ظهر أحد, ولا بالقبول بالعيش في كنف الصمت لكي أكون صديقة كل أحد, بينما الرغبة بالصراخ في وجوهنا جميعنا, تقطع أوصالي:

أن كفى, كفى العيش في حواديت الجدات, المزيفة كالديكورات, حالمة, ومدعية رؤية الفرسان على الأحصنة البيضاء, يلملمون حدود الوطن!.

هل أوجعكم؟ دعوني اذن أخبركم, نحن جميعاً لا أحد, وبلا أحد, وفي خطر, إذا بقينا صامتين على خرابنا, نستجدي سلاماً بلا دواء لدائنا, والوطن مثل البيت فوق تلة من الزلازل, كل اولئك الذين يحفظون اسمائنا الآن, لا يملكون لنا لمسة حنان, والأيدي التي تصفق لنا, أننا انتصرنا, كاذبة, لأنها ليست الأيدي التي يجب أن نتناول منها الدواء, وحتى النصر بضاعة سريعة العطب, اذا لم نصلح ما في داخلنا من عطب, رغم أنني أذكركم نحن على أعتاب حرب, وأظن أني قد أوجعتكم؟ هذا .. عز الطلب, مهنتي هي الوجع, لأن الترياق مر المذاق, ولملمة الحدود تحتاج أن نعود لمرافقة الغضب!؟.

*أستاذة جامعية – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى