دراسات وأبحاث

كيف نجذب الأمراض والمشاكل إلى حياتنا ؟ الجزء العاشر – عندما لا تكون مسؤولاً عن حياتك وسيد حياتك ، وتكون منقاداً لا قائداً

د . مصطفى دليلة ..

|| Midline-news || – الوسط  ..

– حينما لا تكون مسؤولاً عن حياتك، حينما تكون منقاداً لا قائداً وتسلم دفة القيادة لغيرك  يسبب لك ذلك الكثير من المشاكل والأمراض .

معظم البشر كالروبوتات تقودهم مجموعة قناعات وخيارات ونظم اجتماعية – نفسية وسلوكيات وعادات  وتقاليد مغروسة بطريقة ما في عقلهم الباطن بوعي أو بلا وعي. ومن ميزات البشر أنهم يتقبلون بسهولة إيحاءات الآخرين التي تسيّر حياتهم.

في خضم هذا التقدم العلمي والثورة المعلوماتية المتسارعة باضطراد يتضاعف سيل المعلومات المتدفق على الفرد في واحدة الزمن ويصل آلاف المرات كما كان عليه قبل قرن من الزمن. تتدفق الإيحاءات من كل حدب وصوب علينا مما يجعل كثيرين غير قادرين على تحديد مسارات حياتهم بأنفسهم. يضيعون في معمعة الدروب وتعدد الخيارات ويتعرضون لمطبات مختلفة.

سرعة وسهولة وصول المعلومة وتوفرها بين أيدينا في أية لحظة نريدها أفقدنا جزءا كبيرا من ذاكرتنا وجمّد حيزا من المخ وجعله يتوقف عن العمل. عندما أهملنا تطوير ذاكرتنا وتوقفنا عن تحميلها مسؤولية حفظ أرقام وأسماء وتواريخ أحداث وشخصيات تعطلت ذاكرتنا وتوقفت عن العمل. أنا شخصياً كنت أحفظ في ذاكرتي مائة رقم تلفون على الأقل مع أسماء أصحابها قبل ظهور الموبايل، والآن لا يتعدى عدد الأرقام التي أحفظها، باستثناء الأرقام القديمة التي بقيت في الذاكرة، عدد أصابع اليد. الدماغ البشري يتعرض الآن لعملية تجميد وتسطيح وترهل، ولم يعد قادراً على حل أبسط المسائل الهندسية أو الحسابية بدون الكمبيوتر. تتعرض البشرية الآن، وبكل أسف، لعملية مسح في الذاكرة سوف تؤدي لتخليق جيل جديد بلا ذاكرة ولا عنوان ولا تاريخ.

الإيحاءات المتعددة التي تصلنا عبر وسائل الإعلام والإعلان والتواصل والاتصالات المختلفة في كل لحظة تنغرس في عقلنا الباطن وتسيّرنا وتوجّه حياتنا من حيث لا ندري. الطفل في بطن أمه وبعد ولادته يستمع إلى ما تسمعه أمه من موسيقى وتلفزيون وما يدور حوله من أحداث وصراعات وخلافات في العائلة أو خارجها، كل ذلك ينغرس في عقله الباطن ليؤثر على مسيرة حياته اللاحقة.

انتبهوا إلى أنفسكم وأنتم توحون إلى أبنائكم يومياً إيحاءات مدمرة من نوع:

  • شو، ما عندك ايدين؟ أو الله يكسر ايديك..
  • شوف أمك (أبيك، أخيك،….) شو غبية.
  • انظر إلى نفسك من تشبه؟
  • لن تجِدي زوجا في حياتك.
  • أنت لا تنفعين في شيء، ولن تكوني سعيدة في حياتك.
  • أنت فاشل في كل ما تفعله، ولن تكون قادراً على إنجاز شيء في حياتك.
  • ……….

أو حينما يكرر الآباء الحريصون على أبنائهم في أحاديثهم اليومية عبارات من نوع:

  • السرطان في عائلتنا حالة شائعة.
  • الطلاق حالة عامة في مجتمعنا.
  • تعدد الزوجات أمر طبيعي في عشيرتنا.
  • ……….

أنتم بهذه الطريقة تؤطرون أنفسكم وأبناءكم على الفشل والانقياد وراء هذه القناعات السلبية التي تشكل برنامج عقل باطني يسيّر حياتكم وحياتهم.

يلعب الإعلام والإعلان بمختلف وسائله، وكذلك المبصرون والمنجمون، والسياسيون دوراً كبيراً في قيادة البشر كقطيع من الغنم، عبر تسجيل وغرس جميع هذه المآسي والآلام في الوعي الجمعي للقطيع، ومن ثم نتساءل: لماذا نتعرض لكل هذه المشاكل والآلام في حياتنا؟

  • أتوجه إليك طلباً للمساعدة يا دكتور. أنا متابعة لك منذ فترة قصيرة وتوقعت أنني استطيع أن أجد حلاً لمشكلتي عندك – تقول محدثتي
  • وما هي مشكلتك؟ اسألها.
  • زوّجوني أهلي في العشرين من عمري. لم أعرف طعم الهناء والسعادة مع زوجي. الآن انا مطلقة وعندي ولدان. أهلي لا يقبلونني عندهم ولا يسمحون لي العيش المستقل عنهم. أعيش مع أخي عيشة لا طاقة لي بها.
  • أولا الحل ليس عندي وإنما عندك. قد أكون مساعداً لك في الحل لكني لست الحل أبدا زلا طرف فيه، أجبتها وتابعت قائلاً:

يعلموننا منذ البداية ويوحون لنا أننا قاصرون عن فعل أي شيء بدونهم، يوحون لنا أننا لا زلنا صغاراً ولا نفهم الحياة حتى ولو كبرنا، يسلبون منا حرية الاختيار ولا يعلموننا تحمل المسؤولية عن حياتنا، وهذا ما حدث معك.

أخبرتها أن حل مشكلتها ليس عندي وإنما عندها. لكن يمكن أن أكون مساعداً لها في الحل. قلت لها: إن تخليك عن تحمل مسؤوليات حياتك ( وهذا ما يحدث مع معظم الفتيات في مجتمعنا الشرقي) قد أفقدك الكثير من المبادرات، وجعلك تسلمين جهاز التحكم في حياتك لغيرك، وخلق الكثير من المشاكل في حياتك. طلبت منها أن تتعلم تحمل المسؤولية عن حياتها، وعن أفكارها وقراراتها وخياراتها، وأن تتوقف عن جلد نفسها والآخرين، وأن تتوقف عن إدانة نفسها والآخرين. وجدت هذه السيدة الآن عملها المستقل وهي في طريقها لأن تستقل في حياتها وتكون مسؤولة كليا ًعن حياتها.

عبر التحذير والتخويف، وحرصاً علينا، وإظهارً لمحبتهم لنا يحاول المقربون منا توجيه إيحاءات لنا تبرمج عقلنا الباطن وتسيّرنا. إنهم لم يجدوا وسيلة أخرى لإرشادنا غير هذه الطريقة كي لا نقع في الحفرة ثانية، أو لا نقع في حفرة وقعوا فيها هم أو غيرهم. لكننا نجد أنفسنا أننا وقعنا في نفس الحفرة التي وقعوا هم فيها، وذلك من شدة خوفنا منها.

معظم البشر لا يعون خياراتهم ولا يستطيعون تفسير سبب اختيارهم لهذا الخيار أو ذاك، تراهم منقادون بلا وعي وراء إيحاءات الآخرين ومن ثم يتساءلون: لماذا تأتي كل هذه المشاكل والمطبات والأمراض إلى حياتنا؟

قالت محدثتي:

  • كيف لي أن اخرج من هذه البوتقة التي وضعني فيها الآخرون: الأهل، والمدرسة، والمجتمع، والنظام الاجتماعي والسياسي. فأنا حبيسة أحلامي ولا أستطيع أن أحقق منها شيئا قبل ان احصل على موافقة مسبقة ممن حولي.
  • وهل تعرفين ما ذا تريدين؟
  • وما فائدة أن أعرف ولا أحد يسمح لي أن أتصرف بحرية؟
  • إن لم تعرفي ما تريدينه، وإن لم تحبي نفسك وتثقي بها ويمن حولك فلن تحققي شيئاً ولن تصلي إلى شيء. تعلمي أن تضعي أهدافاً تلائمك لا تلائم غيرك، تحقق طموحاتك لا طموحات غيرك حينها فقط تستطيعين

“يتبع”

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى