العناوين الرئيسيةنساء الوسط

كاترين العظيمة والجدري.. قصة ريادة (ترجمة حيّان الغربي)

كيف قادت الإمبراطورة كاترين العظيمة عجلة التطعيم ضد الجدري قدماً ؟..
حكايةٌ ترويها لوسي وارد في كتابها الموسوم: “الإمبراطورة والطبيب الإنجليزي“.
كانت القارة الأوروبية في القرن الثامن عشر مسرحاً للمعركة الأحمى وطيساً بين الجنس البشري من جانب والجدري من جانبٍ آخر. فإبان تلك الحقبة كان الداء يكتسب زخماً مطرداً على مدى بضع مئات من السنين، وعلى الرغم من ظهور أولى الأدوات الناجعة في كبح جماحه، ألا وهي التطعيم، إلا أن نوبةً عارمةً من هذا الوباء كانت قد شرعت في إبادة السلالات الملكية لدرجة أنه تمكّن من حرف أكثر من خط توريث ملكي عن مساره على حدّ تعبير دونالد هوبكنز في تأريخه الموسوعي لهذا المرض الموسوم:  “الأمراء والفلاحون” الصادر في العام 1983.

تسلّط لوسي وارد الضوء على أسخن الحلقات في ذلك القرن الدراميّ فتسهب في تفصيلها ما بين دفتيّ كتابها بأكمله، ولعلّه موضوعٌ يقبل النقاش فيما إذا كانت هذه الأحداث خليقةً بالسرد، بيد أن القرار المتخذ من قبل الإمبراطورة الروسية كاترين العظمى بتطعيم نفسها مع ابنها كان له صداه لاسيما في زمن انتشار العدوى ذاك، الأمر الذي شكّل منعرجاً أساسياً على صعيد القبول الشعبي للأساليب الوقائية، فضلاً عن أنه أظهر مقدرة كاترين على القيادة من خلال تقديم نفسها كأسوةٍ حسنة، فلعلّه قد يتسنّى للحكّام اللامسؤولين في عصر كوفيد-19 أن يستخلصوا العبرة الصحيحة من كتابٍ كهذا حول إمبراطورةٍ رائدة.

عكفت كاترين، البروسية المولد، على عصرنة وطنها الجديد، روسيا. وإنها، بوصفها أول ملكةٍ أوروبيةٍ تتطوع للتطعيم مع ابنها، قد اتخذت خطوةً شجاعةً وقامت بمخاطرةٍ محسوبة. وقد اقتضى الإجراء استخلاص الإفرازات من بثور شخص مصاب وحقنها في جرح صغير يتم إحداثه في جلد شخصٍ سليم، وهو إجراء أكثر أماناً بما لا يقاس مقارنةً مع التقاط العدوى بشكل طبيعي، ولكنه ليس على نفس المستوى من أمان التلقيح- Vaccination، الذي تم تطويره بالاستناد إلى طريقة التطعيم- Inoculation واستخدم فيه فيروسٌ أخف وطأةً لتوفير الحماية، وهو فيروس جدري الأبقار.

غالباً ما كان الجدري قاتلاً في تلك الفترة، وحتى إن لم يلقَ المصاب حتفه غالباً ما كانت العدوى تسبب له العمى أو التشوّهات. وهكذا، حين اُستدعي الطبيب الإنجليزي، توماس ديمسديل، في العام 1768، للحضور إلى مدينة سان بطرسبرغ لينال شرف تنفيذ الإجراء، كانت لديه هواجسه المفهومة حيال هذه المهمة، بيد أن كاترين طمأنته بأن ثمة يختاً سيكون في خليج فنلندا على أهبة الاستعداد لإجلائه عن الأراضي الروسيّة على جناح السرعة في حال وقوع أي مكروه.

غير أن الأمور سارت على ما يرام، وبمجرد أن اعتبر هذا الإجراء السرّي ناجحاً تكفّل البلاط الإمبراطوري بإذاعة النبأ لتنطلق الاحتفالات والألعاب النارية والصلوات والابتهالات، ولتنظم القصائد وتكتب المسرحيات، وليعلن ذلك اليوم المجيد يوم عطلةٍ رسمية.

فولتير، الذي جمعته بالإمبراطورة صداقة مراسلةٍ منذ زمن بعيد، كتب إلى كاترين متحسّراً على حظر هذا الأسلوب الوقائي في فرنسا: “لعلّ تلقّي راهبةٍ لحقنةٍ عاديةٍ كان ليثير صخباً أكبر مما أثرته حيال تطعيمك”.

تعيد الكاتبة، وارد، من خلال هذا السرد الحيوي السلس، طرح السؤال المشوّق حول هوية من له قصب السبق فيما يخصّ التطعيم.

كانت الكاتبة الأرستقراطية ماري وورتلي مونتاغيو قد عادت إلى إنجلترا بمبدأ التطعيم في وقتٍ سابقٍ من القرن الثامن عشر حين شاهدت خلال أسفارها، وبأمّ العين، النساء التركيّات المسنّات وهنّ يقمن بالتطعيم. ومن ثم، حين قام الأطبّاء الإنجليز بتعديله زادوا من خطورته بدل من الحدّ منها.

غير أن تاجراً من العوام، وهو دانييل سوتون، قام بإلغاء التعديلات ليتوصّل إلى الطريقة التي عمّمها ديمسديل وحملها معه إلى روسيا (من الطبيعي أن يكون ديمسديل، برقيّ مسلكه وخلفيته العلمية التخصصية، هو المبعوث الأفضل إذا ما قورن بسوتون الأقل كياسةً وذي النزعة التجارية الأكثر وضوحاً).

وفي ظلّ غياب عددٍ كافٍ من الأطباء لنشر التطعيم في روسيا بعد أن بات يلقى القبول، تم انتداب القرويّات الروسيات لتقديم مساعدةٍ أخرى، ولكن هذه المرّة سيتم تنفيذ التطعيم بعد أن غدا أسلوباً علمياً معتمداً.

وكما تتم الأمور غالباً، أسهم العديد من الأشخاص في نجاح هذا الابتكار. ولكن، وبغضّ النظر، لقد كان ابتكاراً ناجحاً بحقّ.

وتشير التقديرات إلى أن الجدري، خلال آخر مئة عامٍ من انتشاره تسبّب بمقتل نصف مليار إنسان، ولكن تصرّف كاترين في روسيا أدى إلى الترويج للتطعيم ومن ثم أفضى لاحقاً إلى السرعة في اعتماد التلقيح كأسلوبٍ للوقاية.

وعلى هذا النحو، أسهمت الإمبراطورة في وضع العالم على السكّة الصحيحة نحو اجتثاث هذه الجائحة من جذورها.

جرى الإعلان عن ذلك الحدث التاريخي البارز في العام 1980، أي بعد ما يربو على قرنين من مخاطرتها مع ابنها وطبيبهما بحياتهم ليثبتوا أن المرض ليس مصيراً محتوماً بالضرورة.
.


كاتب ومترجم – سوريا

(المصدر: ذي إيكونوميست)

.

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى