رأي

قمة تفوت ونكمل الموت!؟  د. نهلة عيسى ..

 

عوَّل المحللون السياسيون السوريون كثيراً على قمة طهران قبل انعقادها, وبالغوا في أهمية ما ستتوصل إليه من نتائج فيما يتعلق بالحال الوطني, وراهنوا كالعادة, على أن ما قبل طهران ليس كما بعدها!؟ وأن روسيا وطهران سيوجهان رسالة شديدة اللهجة إلى أردوغان الذي يبحث عن مخرج من مشاكل داخلية!؟ وقد كان, عقدت القمة وانتهت كما غيرها من القمم, وبقي الحال على حاله, لأن الموضوع السوري في القمة كان مجرد عنوان إجرائي لا بد من ذكره في لعبة الشد والجذب, والمصالح السياسية المتقاطعة للدول المؤثرة إقليمياً, والدول العظمى!؟.

وربما مأزق التحليل السياسي الوطني, أنه يستند إلى الآماني أكثر من استناده إلى الوقائع ومجريات الأحداث, ويتناسى أن أردوغان هو أول من ارتدى العمامة والقفطان, وتاجر بأسماء الصحابة والأنبياء, وجعلها عناوين لفرق موته وإعدامه, التي حولت قتلنا إلى شعيرة دينية توازي الزكاة والصيام والصلاة في الأهمية, وخلعه للعمامة والقفطان يستلزم أكثر من خطاب شديد اللهجة!؟.

يقول المحللون السياسيون الكثير من الأشياء, التي تجبر المرء على تمزيق أختام الشمع الأحمر عن فمه والسؤال: على من نعوِّل؟ وأردوغان هو: جند الشام, وأحرار الشام, وجيش الفتح, وجند الأقصى, وجيش الأمة, والزنكي, ووو, وكلهم في الهوية .. داعش, وفي الهوى .. نصرة, وفي الولاء والارتزاق, هو وهم متاحون لأي مصلحة و”شيك مصرفي”!؟.

يقولون, وأقف على جبل من الذكريات, وخلفي عشرية ونيف من السنوات, عشناها في معسكر مغلق داخل أربعة أضلاع, هي حدود الوطن التي تقلصت وتماهت مع حدود شاشة التلفاز, نتابع بلهفة ووجع, صور اللاعبين اللاهثين خلف خراب وتمزيق خارطة الوطن, عشرية تحولت فيها حياتنا إلى مونديال نراهن فيه على موتنا, ونحتدم وننفعل ونُشيع, ونختصم, ونحب, ونعلن اتحاداً أو انفصالاً مع الآخرين, على ضوء مجريات ونتائج حربهم علينا.

عشرية, أصبح فيها الوطن صوراً, وقصاصات, وبقايا ذاكرة تآكلتها الخيبات, وصدى بعيداً, لصوت يشبه أصوات أمهاتنا يترنمن فوق مهودنا لكي ننام, ولكننا لا ننام, لأن أفاع تحت أسرة نومنا, ومن خلف الستائر ضباب, يخفي جدران البيوت, وقد غطتها صور الشهداء, وفي القلب منها أمهات يجلسن وفي أحضانهن رؤوس الأبناء, كرات لعبت بها الوحوش التي نعوِّل على راعيها!؟.

يقولون, وأتساءل, أي أمل؟, وأي رهان؟ وكل حياتنا, وصورنا وحكاياتنا وكوابيسنا, باتت لغواً وتكراراً واستطراداً و أشكالاً مشروطة, لموت فات وموت آت, ولسخرية مرة, من أنه ما زال فينا صبر على الأمل, بأن الغد نصر, وأن الرب حسب, بينما طائرات الصفيق والرقيع والكاوبوي, وأحفاد يهوذا تحوم فوق رؤوسنا, وأمهاتنا قد غادرننا دون إذن ولا عودة, حاملات في جيوبهن وهمَ, أن فجر صحونا حمائم!؟.

أي رهان؟ وحياتنا هرولة دائمة في المسافة بين مرمى قنص الذاكرة, وبين الذهول المُر مما نعيش ونرى ونسمع, وكل ما نفعله مهما كان تافهاً وعادياً يقودنا إلى وجع الوطن, ويرمينا, بل يبصقنا على عتبة اليوم الأول لخرابنا غير المحسوب, ويبدأ بركلنا من شهر إلى آخر على مدار أكثر من عقد, لنسقط في نهاية اجترار الجرح, في قطار شبحي ننادي فيه على أحبائنا المقتولين, ونتلمس كالعميان ملامحهم شبه المنسية, و نغسل بدموعنا بقايا دمائهم, ونغسل وهمنا بالقدرة على العيش برأس مثل السبورة الممحية, حتى لو تغير أردوغان!؟.

أعود للسؤال: على ماذا تعوّلون؟ والذاكرة كفن لمن رحلوا, والقلوب تابوت, والمأساة أن الراحلون أحبة والباقون أعداء, و الطريق إلى الفجر ليلٌ طويل, والدليل إليه في أحسن الأحوال تاجر سلاح, أو أردوغان, أو عالم فاجر يطالبنا بإيقاف النار, ونحن تلتهمنا النار, فماذا أنتم قائلون؟ ولماذا لا تطالبون بإطلاق النار, لأنهم في الجنوب والشمال يطلقون علينا النار, لماذا!؟.

 

*أستاذة جامعية – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى