عيد كوسى – قراءة لوقائع الملف السوري في نهاية العام 2016
عيد كوسى ..
|| Midline-news || – الوسط ..
أقل من شهر على نهاية العام 2016، غير أنّ لهذا العام نهاية مختلفة عن نهايات خمس سنوات سبقتها، فالنهاية اليوم تبدو أكثر وضوحاً وأكثر حسماً على المستويين العسكري والسياسي في سوريا..
وبنظرة تمعّن في الخارطة الجيوسياسية السورية يمكن لمتابع الملف السوري أن يلاحظ أن العملية العسكرية صارت في خواتيمها.
الفصائل المسلحة التي كانت لا تنفك عن التهديد والوعيد والذين كانوا يرابطون على مشارف وتخوم العاصمة دمشق يُرَحّلون تباعاً باتجاه محافظة إدلب، بعد معارك عنيفة ضد الجيش السوري حيث أثبتت تلك المعارك بدليل الوقائع أنّ الجماعات المسلحة لن يتمكنوا أبداً من الصمود برغم كل الدعم من الحلفاء لهم، ففرض الجيش السوري حتى الآن طوقاً حول العاصمة دمشق عمقه من (12 – 30) كيلو متراً وهذا الطوق يحمي العاصمة دمشق بنسبة تجاوزت الخمس والثمانين بالمئة حسب خريطة الميدان وهذا الطوق مستمر بالتوسع معتمداً على تقدم الجيش السوري في عمق الجبهات المعادية له سواء بالقتال أو بالمفاوضات. وأخر من استسلموا إرهابيي مدينة التل الذين سلموا أسلحتهم وعتادهم بتاريخ 2/12/2016 منسحبين من المدينة باتجاه ادلب.
وقبل ذلك تم تأمين كامل الشريط الحدودي بين سوريا ولبنان من خلال عمليات عسكرية دامت لأكثر من عامين.
وفي حلب تهاوت دفاعات جبهة النصرة بشكل لم يكن متوقعاً، فبعد أربع سنوات من التحصينات تسقط معاقل هذا التنظيم بشكل اتضح أنه وصل إلى منتهاه، فالأحياء التي يسيطر عليها تنظيم جبهة النصرة وبعض الفصائل التابعة له هي تسعة أحياء بما لا يتجاوز 12 كيلو متراً مربعاً حتى فجر السابع من شهر كانون الثاني، أي بعد واحد وعشرين يوماً من بدء الحملة العسكرية من قبل الجيش السوري لتحرير أحياء شرق حلب، وهذه المساحة في حالة انحسار مستمر مع تقدم قوات الجيش السوري، وباتت ساقطة بعرف المعارك.
وفي المنطقة الوسطى يحافظ مسلحو المعارضة السورية بالتشارك مع الجماعات الإرهابية المسلحة على الأرض التي حاذوها دون التقدم إلى الأمام، فحماه هادئة منذ 7/9/2016 بعد أن احتوى الجيش السوري ما يعرف بغزوة مروان حديد التي دامت لعشرة أيام فقط، وحمص الخالية من المسلحين منذ 9/12/2015 حيثُ نقلت الباصات الخضراء ألف ومئة مسلح من حمص إلى ريف حماه الشمالي وريف ادلب الجنوبي.
وهذا يعني أن المجموعات المسلحة لم يعد بمقدورها التقدم نحو المدن أو الجبهات التي من شأنها أن تؤثر وتقلق الحكومة السورية ولم يعد ممكناً أن يُفرض عليها ما يمكن أن يكون مقبولاً بالنسبة لمشغلي هذه الجماعات المسلحة، فانعكست الآية وصار الجيش السوري هو البادئ في أي معركة على عكس السنوات منذ ألفين وأحد عشر.
5/12/2016 اعترضت روسيا والصين على نص قرار قدمته كل من مصر ونيوزلندا واسبانيا في جلسة الأمن حول وقف العمليات العسكرية للجيش السوري على كامل الأراضي السورية لمدة سبعة أيام ولا سيما في حلب وبدى حق النقض هذا إصرار لا لبس فيه من قبل المحور الذي يصطف خلف الجمهورية العربية السورية أنهم ماضون فيه حتى النهاية، وفي نفس التاريخ اتفاق مبدئي روسي إيراني تركي لبلورة النتيجة النهائية للحل السوري ووضعه في وجه أميركا على أنه حل الأمر الواقع خصوصاً بعد غرق الحكومة التركية في مستنقع محاولة الانقلاب الفاشلة ضدها، وتراجع رئيس حكومتها عن جملة كان قد قالها حول دخول الجيش التركي للأراضي السورية لإنهاء حكم الرئيس الأسد بتاريخ 29/11/2016 أثناء كلمة ألقاها في اسطنبول التركية كانت مكرسة للحديث حول القدس، حيث أعلن المكتب الإعلامي لحكومة أردوغان أنه لا يجب أن يؤخذ كلام الرئيس التركي حرفياً، ثم في وقت لاحق من ذات اليوم تم التراجع تماماً عن عبارة “اسقاط الرئيس الأسد”.
في 5/12/2016 أعلن جون كيري وزير خارجية أميركا عن مقترح إخراج جبهة النصرة من حلب عبر طرق آمنة إلى ادلب وتحديدا عبر طريق الكاستيلو، وإعلانه عن مشاركة الرئيس الأسد في الحل السياسي الأمر الذي لم يكن مطروحاً على مدى ست سنوات، وكأنه يحاول أن يكون شريكاً قبل رحيله في حل الأمر الواقع الذي فرضته الحكومة السورية ومن خلفها حلفاؤها.
حلب ودمشق وحمص وحماه والساحل السوري كله محافظات باتت بشكل شبه كامل بيد الجيش السوري على الرغم من وجود مجموعات إرهابية مرتزقة قُدّرت بحوالي ألف ومئة فصيل مسلح تضم نحو ثلاثمئة وستين ألف إرهابي قدموا من أربع وتسعين دولة، وذلك حسب بيانات وزرات الداخلية في تلك البلدان ومقاطعة معلومات تلك الدول مع تصريحات الجماعات المقاتلة في سوريا.
وما بقي فعلياً بيد تلك الجماعات ادلب شمالاً ودرعا جنوباً، فما تحويه ادلب اليوم هو خزان كبير جداً من المسحلين الذين قد يشكلون تهديداً قومياً بالنسبة لتركيا وللاتحاد الأوربي معاً، ومصيرهم بات شبه معروف إذا ما تقدمت القوات البرية في الجيش السوري مدعومة بسلاحي الجو السوري والروسي فالجميع يتكهن بمحرقة كبيرة للإرهاب في هذه المحافظة قد تؤدي إلى اندفاع كبير باتجاه الحدود التركية ما قد يؤدي أيضاً إلى معارك قد تكون طاحنة بين الجيش التركي وتلك المجموعات الهاربة من نار المعركة المحسومة سلفاً، وبهذا قد ينقلب الإرهاب على مورديه، هذا غير عقدة موجات النزوح السوري التي أرهقت أوربا بأكملها وهددت أمنها القومي بشكل عميق ومؤثر وفق ترتيب الأحداث الإرهابية التي وقعت فيها.
ودرعا التي قد تشكل تهديداً للأمن القومي الأردني إذا ما فشلت في التعامل معهم من جهة ومع الحكومة السورية من جهة أخرى، فخروج المسلحين باتجاه الأردن يبدو أسهل بكثير من خروج مسلحي ادلب إلى تركيا، إضافة إلى أنّ القرار التركي أكثر صرامة وأكثر قوة من القرار الأردني الذي اتصف طيلة مرحلة الحرب في سوريا على أنه قرار لحظي، وليس بيد الأردنيين أنفسهم، وإنما تابع لأهواء السعودية.
شرقاً لا تواجد إلا لداعش التي تنهار لحظياً أمام الحشد الشعبي في العراق والمعلومات تشير إلى تقدم الحشد الشعبي في الموصل معقل التنظيم، الحشد الشعبي المؤيد والداعم للجيش السوري، بلور مؤخراً وضعيته الجديدة القوية وعزمه الدخول في مؤسسات الدولة العراقية على أنه جيش العراق أو جزء منه، كان قد وعد أن يكون في الرقة إذا ما طلبت الحكومة السورية من قياداته ذلك الأمر، فأصبحت داعش في موقف ضعيف عسكرياً وظهر جلياً عدم قدرة التنظيم على التحرك والتوغل أكثر في الأراضي السورية وتحديداً بعد معارك الكر والفر في حقول النفط في البادية السورية شرق حمص في الشهر الخامس حزيران من العام 2016.
أما ما يسمى المعارضة السياسية السورية فهي لم تنفك عن التشرذم والفرقة والتقاتل فيما بينها تارة على المال وطوراً على المقاعد في هيئات هذه المعارضة، وأكثر المتفائلين بهذه المعارضة قد أبدى يأساً بعد طول صبر في أن يتفقوا على أقل الأمور أهمية، وهم كانوا وما زالوا مُشتتين في أصقاع الأرض دون قدرة على تشكيل اتحاد واضح المعالم بأهداف ممكن تحقيقها، فأهملت الدول الداعمة تلك الحفنة من السوريين وتركوهم لمصارعة مصيرهم.
الأوربيون الذين ساروا وراء أميركا الحليف الأقوى للجماعات الإرهابية المسلحة، سقطوا في فخ التخبط وعدم وضوح الرؤيا الجيوسياسية والجيواستراتيجية غير قادرين على اتخاذ أية إجراءات جديدة بعد أن عجزت أميركا باجتراح حل يمهد لإنهاء هجرة السوريين باتجاه أوربا، فتارة يسترضون حكومة رجب طيب أردوغان لمنع التدفق السوري، وتارة أخرى يهاجمونها، تارة يفتحون صفحة جديدة مع الروس ثم يغلقونها في تصرفات باتت واضحة أنها نتجت عن ضبابية الأحداث التي تكفلت كل من الحكومتين السورية والروسية برسمها ووضعها على الطاولة كلغز لم تتمكن أوربا من حله بشكل جيد.
وبالوقائع والتواريخ ومع توالي الأحداث نجد المشهد أنه يعكس استمراراً في تفوق الجيش السوري والحكومة السورية وانتعاشاً واضحاً للشعب السوري قياساً لما كان يعانيه في السنوات السابقة، وبالمقابل عدم قدرة الفصائل المسلحة على التقدم أو حتى الصمود في أي تاريخ أو موقعة، وهذا بالضرورة ينعكس على نتائج الحل السياسي الذي يُرجّح كفة الحكومة السورية وحلفائها، بالوقت الذي كانت المعركة العسكرية والسياسة بين كر وفر، وفي بعض أجزائها تشعر وكأن دمشق ستسقط بيد إحدى الجماعات المقاتلة ضد الجيش السوري.
ما تحمله الأيام القادمة يبدو أنه انتقال نهائي إلى طاولة التفاوض السياسي حول مستقبل سوريا، منتقلين إلى معركة جديدة قد تكون معقدة لفرض منجزات الميدان على الطاولة التفاوضية، وقد يكون هو الانتقال الأكيد والنهائي من الميدان إلى السياسة بعد سنوات عجاف مرت على سوريا والعالم بسبب هذه الأزمة التي قالوا أنها لن تستمر لأكثر من شهرين أو ثلاثة في أسوأ تقدير حسب تكهنات ثلة كبيرة من المحللين في العام 2011.



