رأي

قبل وبعد عصابة فلحوط .. أدهم الطويل ..

واقع السويداء المهين ..لماذا تستمر الدولة بالسكوت عنه إذا كانت هي أكثر المتضررين ..

قبل وبعد عصابة فلحوط ..

 

تفتح الأحداث التي جرت في محافظة السويداء في الأيام القليلة الماضية ،الباب أمام تساؤلات شتى منها ما هو خطير ومحرج؟.

لكن قبل الدخول في استعراض هذه التساؤلات وماهيتها ومشروعيتها نود التأكيد أولاً أن “الهَبَّة” الشعبية في وجه عصابات الإرهاب والاجرام ذات الارتباطات المشبوهة والمتنوعة، التي مارست القتل والخطف وقطع الطرقات العامة والتنكيل بالناس، إضافة إلى السرقة والنهب والتحشيش والتجارة بالمخدرات والوقود وكل شيء حتى النساء، هذه “الهَبَّة” الشعبية هي رد فعل طبيعي منتظر، بل ومتوقع في ظل غياب الدولة وأجهزتها المختصة عن معظم ما يجري في المحافظة من مظاهر الخروج على القانون والأخلاق.

ونضيف أن أهالي المحافظة عموماً وأهالي مدينة شهبا – ١٨ كم شمال السويداء- خصوصاً مازالوا على عاداتهم المعروفية الأصيلة وأخلاقهم النبيلة، وإن بدى أنها غابت أو ضعفت بسبب حالة الفقر والفساد والمهانة التي لم يسبق لهم أن عاشوها، وقبل هذه “الهَبَّة” الشعبية التي شكل أهالي شهبا نواتها ومحركها الأساسي، سبق لهم الانتفاض على المظاهر المشابهة لممارسات عصابة راجي فلحوط، والتي كانت تمارسها في شهبا عدة عصابات مأجورة ومشبوهة الارتباط، امتهنت الإرهاب والقتل والفساد والسلب والخطف وقطع الطرقات، ونجح أبناء المدينة بعد استشهاد شابين من آل الطويل في وضع حد لكل تلك المظاهر.

بالعودة إلى التساؤلات التي طفت على السطح بعد عملية مداهمة الأهالي لمقرات عصابة راجي فلحوط في بلدتي “عتيل وسليم” شمال مدينة السويداء .. ونبدأ بأبرزها وهي أين اختفى المجرم فلحوط؟، من الذي أمَّن له طريق الهرب؟، ومن الذي يحميه ويخفيه الأن؟.

ثم .. أين الدولة من كل ما جرى ويجري في هذه المحافظة؟.

هل يُعقل أن يترك أهلها عرضة لممارسات المجرم فلحوط والعصابات والجماعات المسلحة الخارجة على القانون, إلى أن تصل بهم الحال الى حد وقف الأحوال وتعطيل الأعمال، وقطع الطرقات ومنع دوام المدارس والجامعات، إضافةً طبعاً إلى السرقة والسلب والخطف والدعارة والتحشيش؟.

هل يُعقل هذا والمسؤولون الذين يمثلون الدولة في المحافظة يعلمون في النهاية أن ذلك واقع مجاني لايخدم الدولة وسمعتها في أي حال؟، إضافة إلى الضرر البالغ الذي أحدثه ويحدثه بالنسيج الشعبي والاجتماعي للمحافظة.

والسؤال الآخر الذي يطرح نفسه في هذا السياق، من هو أو من هم المستفيدون الحقيقيون مما يجري في السويداء من فلتان أمني وقانوني وتجارة غير مشروعة لكل ما يخطر ولا يخطر على بال؟.

وما نوع، وما حجم (الفائدة) التي يجنونها من هذا الواقع؟، وهل تقبل الدولة والقوى الشعبية في المحافظة أن يصل الأمر إلى حد تحويل السويداء الى رهينة بأيديهم؟

ألم ينتبهوا بعد، إلى أن هذا الواقع أياً كان حجم وقوة وسطوة المستفيدين منه، قد يخرج المحافظة من (حضن الوطن) رغم تاريخها ودورها المشرف في الدفاع عنه وعن استقلاله وكرامته، بعدما يكون قد ألحق ضرراً اجتماعيا وأخلاقيا بالغاً في أدوات وضرورات هذه العودة؟.

والسؤال المهم أيضا، ألم تنتبه الدولة بعد، والمعنيين الرسميين في المحافظة لاستغلال التيارات المعارضة “للنظام” لهذا الواقع والبناء عليه لاستقطاب الناس ودفعها إلى توجهات سياسية غير صحية مفرطة في المعارضة لكل شيء، بحجة أن لديها البديل عن هذا الواقع؟.

لن ندخل هنا في متاهة محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات، لكن يمكنني القول استناداً أولا لانتمائي لهذا المحافظة، وثانياً بحكم مهنتي كاعلامي:

إنني حتى اليوم، ورغم اعتقادي بتورط بعض أجهزة الدولة ومؤسساتها بما يجري من فساد ورذيلة وتجارة بكل شيء غير مشروع ، أرفض رفضاً قاطعاً كل الأقوال والتحليلات والاستنتاجات المشبوهة التي تقول أن الدولة تريد هذا الواقع السائد في المحافظة وتشارك فيه كلياً، ورفضي هذا ليس رفضاً آلياً أو نتيجة أسباب خارجة عن إرادتي، بل ببساطة لأن الدولة بما تمثل من قانون وسلطة ومؤسسات خدمية وإنمائية هي أكثر المتضررين من هذا الواقع، اعترفت بذلك أم لم تعترف.

إن هذا النتيجة التي أراها بديهية، تقود بالضرورة إلى سؤال أهم وأخطر، وهو لماذا تستمر مؤسسات الدولة في السكوت عن هذا الواقع المذل والمهين للناس والدولة معا؟.

لا نستطيع ولا نريد الذهاب أثناء محاولة التفسير الى أي فرضية سوى أن الدولة عاجزة في الوقت الراهن عن المعالجة الشاملة، وهي معالجة تقتضي إجراءات وإمكانات مادية للتخفيف من حالة الفقر والعوز التي يعيشها الناس، وكذلك محاصرة واقع الفساد المستشري في مؤسسات الدولة وبين الناس، ووقف استغلال الأجهزة الأمنية لحاجات وحقوق المواطنين، ثم أخيراً وليس أخراً، التعامل الأمني القوي والرادع مع العصابات والجماعات المسلحة التي انتشرت في المحافظة كالفطور السامة مستغلَّة هذا الواقع المهين، وكذلك محاسبة من روَّج لها ودعمها واستفاد منها أياً يكن.

 

في الخلاصة، إن على المعنيين في المحافظة من قوى شعبية، رسمية، ودينية عدم الانتظار طويلاً, بل يجب التحرك سريعاً وإلا فأن طريق العودة والإصلاح يصبح صعباً جداً وباهظ التكاليف، والتحرك يجب أن يكون على مستويين شعبي، أهلي، أو غير رسمي أياً كانت التسميات، تحرك فاعل منسق بعيد عن أي شعارات سياسية أو حزبية، هدفه أولا مواجهة العصابات والجماعات المسلحة والقضاء عليها في كل مدن وبلدات المحافظة، وما قام به أهالي شهبا بالقضاء على المظاهر الخارجة على القانون في مدينتهم، وكذلك تحركهم بالأمس لمواجهة عصابة راجي فلحوط، هما مثالين جديرين بالمتابعة.

أما المستوى الثاني المطلوب فهو حث مؤسسات وأجهزة الدولة المعنية وإلزامها بالتدخل ولعب دورها التي قامت لأجله أصلاً ووضعها أمام مسؤوليتها القانونية والوظيفية بكل علنية ووضوح وإن لم تستجب عندها .. فإن لكل حادثٍ حديث.

 

*أدهم الطويل .. إعلامي سوري
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى