رأي

عمر أحمد – الامتحان التاريخي لتركيا

عمر أحمد ..

|| Midline-news || – الوسط  ..

بدأ ماراثون المناقشات السياسية في البرلمان التركي حول مشروع تغيير الدستور الذي طرحه حزب العدالة والتنمية بالاتفاق مع حزب الحركة القومية. المناقشات ستستمر حتى 24 يناير الجاري، بعدها سيتم التصويت عليه والهدف هو 330 صوتاً في البرلمان ينقلان المشروع إلى الاستفتاء الشعبي المتوقع في ربيع 2017.

ـ حزب العدالة والتنمية لديه 316 مقعداً في البرلمان ، وحزب الحركة القومية لديه 40 مقعداً.

ما هو النظام الجديد المُقترح لتركيا ؟

ـ هو نظام فريد لا نظير ولا مشابه له في العالم.

ـ هو نظام يمنح صلاحيات مطلقة لرئيس الجمهورية، بل أكثر من ذلك ـ هو نظام يقضي على مبدأ فصل السلطات، بل أكثر من ذلك أيضاً ـ يُسلم هذه السلطات لشخص رئيس الدولة!

ـ هو نظام يتولّى فيه رئيس الجمهورية السلطة التنفيذية في البلاد. يُعين الوزراء ويُقيلهم. منصب رئيس الوزراء في تركيا الجديدة لا وجود له كما لا وجود لاجتماع مجلس الوزراء.

ـ هو نظام يسيطر فيه رئيس الجمهورية على السلطة التشريعية في البلاد، عبر صلاحية إصدار المراسيم التشريعية والقوانين.

ـ هو نظام يتحكم فيه رئيس الجمهورية بالسلطة القضائية في البلاد، فالرئيس سيعين 12 عضواً من أصل 15 عضواً في المحكمة الدستورية العليا. هذه المحكمة هي صمّام الأمان التي كانت حتى مرحلة قريبة تنال ثقة جميع الأطراف في تركيا. كما سيتولى رئيس الجمهورية تعيين أكثر من نصف أعضاء المجلس الأعلى للقضاة والمدعين العامين، والمحكمة الإدارية العليا.

ـ هو نظام يمكن فيه لرئيس الجمهورية أن يتولى منصب زعيم حزب سياسي في نفس الوقت !! وهذا يعني أن مبدأ الحياد سيموت، وأن رئيس الجمهورية سيحكم الدولة من نافذة حزبه السياسي ولن يكون الرئيس ممثلاً ومحتضناً لكافة أطياف الشعب، بل لناخبي حزبه ومؤيديه فقط. ربما هذا ما دفع عميد السياسيين الأتراك في البرلمان والنائب عن حزب الشعب الجمهوري “دينيز بايكال” إلى وصف المشروع بأنه تمهيد لعملية تقسيم تركيا!.

ـ هو نظام يرتفع فيه عدد النواب في البرلمان التركي من 550 نائباً إلى 600 نائب.

ـ هو نظام تبدو فيه محاكمة أو مسائلة رئيس الجمهورية شيئاً مستحيلاً، فلفتح تحقيق يخصّ الرئيس يحتاج المدعي إلى 300 صوت من البرلمان، ولتشكيل لجنة برلمانية للتحقيق يحتاج إلى 360 صوتاً، أما لإرسال الرئيس إلى الديوان الأعظم للمحاكمة فيحتاج المدّعي إلى 400 صوتٍ في البرلمان، أي ثلثي الأعضاء.

ـ هو نظام يمكن فيه لرئيس الجمهورية إعادة تنظيم الانتخابات البرلمانية عبر مرسوم رئاسي إن لم تعجبه النتائج، وبذريعة البحث عن استقرار البلاد.

ماذا تقول أحزاب المعارضة ؟

بغض النظر عن حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، فإن كافة الأحزاب السياسية التركية الممثلة وغير الممثلة في البرلمان تعارض مشروع تغيير الدستور المُقترح.

حزب الشعب الجمهوري أعلن عن كفاح شرس هدفه عدم مرور المشروع من البرلمان، يقول زعيمه أن المشروع هو تطبيق للنظام الديكتاتوري، يقول أيضاً إن الصلاحيات التي لم يقبل “مصطفى كمال أتاتورك” أن يمنحها لنفسه، كيف لنا أن نشرعها لأي أحد اليوم؟ يضيف أن المشروع هو إعطاء شرعية للنظام الفعلي الجاري حالياً في تركيا في ظل حالة الطوارئ، ويتساءل .. لا يوجد قانون واحد تعذر على حزب العدالة والتنمية استصداره من البرلمان خلال فترة حكمه (15 عاماً) بسبب أغلبيته في البرلمان ـ فلماذا يُريد أردوغان تغيير النظام إلى رئاسي ؟! ثم يتساءل ثانية ً .. إن النظام المُقترح يتم تطبيقه فعلياً في تركيا منذ تولي أردوغان رئاسة الجمهورية (أغسطس 2014)، فما الذي تغيّر في تركيا؟ هل تضاءل الإرهاب؟ هل تحسّن الإقتصاد؟ هل تحسنت السياسة الخارجية؟

في الحقيقة الانتقادات أكثر بكثير من أن يتم طرحها هنا، ولكن ما ذكرناه يمثل عناوين رئيسية.

هل سينجح أردوغان ؟ ماذا عن كواليس البرلمان ؟

زعيم حزب الحركة القومية “دولت بهتشلي” صرّح قبل أيام عند سؤاله عن رؤية نوّاب حزبه حول تغيير الدستور فأجاب بالحرف “لديّ صوت (نعم) واحد سأستخدمه في تصويت البرلمان وكذلك في الاستفتاء الشعبي” أي أنه لم يضمن أصوات نوّاب حزبه، يُضاف إلى ذلك أن نائب “بهتشلي” وأحد أعمدة الحركة القومية التركية “أتيلا قايا” أعلن استقالته من الحزب مؤخراً احتجاجاً على دعم حزبه مشروع العدالة والتنمية، كما أعلن 5 نوّاب آخرين صراحة ً أنهم سيقولون “لا” للمشروع. وما خفي ربما يكون أعظم.

رئيس الوزراء التركي ” بن علي يلدريم” جمع تواقيع نوابه في البرلمان على أوراق بيضاء قبل طرح المشروع، وعقد اجتماعات مكوكية مع نواب حزبه تجنباً لأي نقص في الأصوات أثناء عملية التصويت التاريخية. بل إن كواليس حزب العدالة والتنمية تتحدث عن عملية تصويت مفتوحة بين أعضاء الحزب يمكن فيها كشف صوت كل نائب على حدا، الأمر الذي تصدّى له حزب الشعب الجمهوري بإعلانه أنه سيُكلف نواباً له بمراقبة الغرفة السريّة للحفاظ على سريّة التصويت.

في الكواليس هناك خوف لدى أردوغان وبن علي يلدريم من هروب الأصوات من جانب حزب العدالة والتنمية نفسه، وفي حال المحافظة فعلاً على سريّة التصويت في البرلمان فإن هناك احتمال قويّ لعدم حصول المشروع على الـ 330 صوتاً المطلوب.

داخل الحزب الحاكم هناك أصوات تعارض المشروع المقترح، ولكنها تخشى إعلان معارضتها خوفاً من إلصاق تهمة ما بها، وما أكثر التهم اليوم في تركيا وخصوصاً تلك المتعلقة بدعم الإرهاب.

ماذا عن الشعب ؟

المروجون للمشروع ـ أي العدالة والتنمية والحركة القومية ـ يكررون دائماً عبارات : دعونا نحيل الأمر للشعب ـ دعوا الشعب يقرر ـ إن الشعب التركي لديه من الفراسة ما يكفي ليبت بأمر كهذا … الخ

لكن الشعب ليس لديه علم لا بتفاصيل النظام الجديد، ولا حتى بما يجري داخل البرلمان !!

شريحة جيدة من الشعب التركي تعطي قرارها بناءاً على انتمائها الحزبي، ففي استطلاع حديث للرأي حول النظام الرئاسي ومشروع تغيير الدستور التركي أجرته شركة “آنار” التركية للإحصاء أفادت بأن 36% من الشعب ليس لديه أدنى معلومة عن المشروع المُقترح لتغيير النظام، وأن 28% لديهم معلومات ضئيلة جداً، بينما من قال بأنه قرأ قليلاً حول المشروع فنسبتهم 14%، أي أنه يمكننا القول أن 78% من الشعب التركي “ليس لديه معلومات كافية على الأقل” حول مشروع تغيير الدستور المقترح! طبعاً حسب الإحصائية المذكورة.

تركيا على مفترق طرق تاريخي بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وليس لها بديل عن اجتياز هذا الامتحان الصعب بنجاح تام للحفاظ على وجودها.

*إعلامي سوري – أنقرة
الآراء المذكورة في المقالات لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع وإنما تعبّر عن رأي أصحابها حصراً
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى