دراسات وأبحاث

م . رفاه رومية – طفرة النفط الصخري في خارطة الطاقة العالمية

|| Midline-news ||  – الوسط   ..

 

كان الصراع الأزلي منذ أقدم العصور على وجه الأرض بين الشعوب و القبائل لضمان الاستمرارية في البقاء و حماية مصادر قوتهم اليومي التي تعتبر أساس استقرار حياتهم و شعورهم بالأمن ، فكانت هذه المجتمعات لا تتوانى عن القيام بالغزوات أو حتى التحالفات  ذات المصالح المشتركة بغرض فرض قوتها و هيمنتها و التي تعتبر من أساس السيادة ، لكن التطور المتلاحق ونشوء مفهوم الدولة و الحكومات و بدء العصر الصناعي قد جعل سدة الحكم بيد الدول الرأسمالية الكبرى التي سعت لفرض سيطرتها على العالم من خلال الهيمنة على مكامن الطاقة و احتكارها بما يخدم مصالحها و يوفر لها الأمن الذي بات مرتبطا ارتباطا وثيقا بمصادر الطاقة لاستمرارية تطورها و تأمين مستلزمات شعوبها و من هنا برز مفهوم أمن الطاقة الذي بات الشغل الشاغل لكل بلدان العالم و خاصة الكبرى منها .

صخري 1

مفهوم أمن الطاقة و دوره في فرض التبعية الطاقية :

يختلف مفهوم أمن الطاقة بين الدول المنتجة للنفط و الدول المستهلكة له ، فالدول المنتجة تسعى لتحقيق الاستمرارية في الإنتاج دون توقف و بأسعار مناسبة لها خاصة أن هذه الدول تعتمد اعتماد كلي على عائدات النفط في تطوير اقتصادها ، بينما لو نظرنا إلى الدول المستهلكة  نجد أن مفهوم أمن الطاقة هوة القدرة على تأمين إمدادات الطاقة الضرورية لتطوير صناعاتها بدون انقطاع بأسعار مناسبة لها ، لكن بما أن هذه الدول ذات نفوذ عسكري و اقتصادي و سياسي أقوى و أوضح فقد سعت لفرض سيطرتها على هذه الدول المنتجة و جعلها حليف لها من منطلق المصالح المشتركة  ، لكن خريطة العالم للطاقة قد تغيرت مع الزمن خاصة بعد ما استطاعت الدول المنتجة أن تفرض دورها على أسعار النفط في سبعينات القرن الماضي و هذا ما أثار قلق الولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر من أكبر الدول المستهلكة إلى جانب الصين و الهند و العديد من الدول الأوروبية  فقد سعت جاهدة للتخلص من التبعية الطاقية لهذه الدول خاصة بعد ظهور النفط الصخري على ساحة أسواق النفط ففي عام 2008 بدأت في أميركا ثورة إنتاج هذا النفط خاصة أنها لم تكن تنتج سوى 5 ملايين برميل من النفط لسنوات طويلة و قد ساعد على إنتاج النفط الصخري في ذلك العام الارتفاع الكبير في أسعار النفط التقليدي مما ساهم على التوسع و التطور في الإنتاج الذي يعتمد على التكسير الهيدروليكي و التي تعتبر عملية معقدة و مكلفة بنفس الوقت .

ما هو النفط الصخري و كيف يتم استخراجه ؟؟

يتم استخراج النفط الصخري من الصخور الرسوبية المتواجدة في أعماق الأرض بالاعتماد على تقنية الحفر الأفقي و التكسير الهيدروليكي و ذلك بضخ كميات كبيرة من المياه بضغط عالي  و المخلوطة بالرمل و بعض أنواع من الكيماويات في باطن الأرض من خلال تقنيات ميكانيكية بغاية تفتيت هذه الصخور و السماح للنفط الكامن فيها للتحرر كما هو موضح بالشكل التالي .

صخري 2

لكن تعتبر هذه الطريقة ذات أثر بيئي ضار على المياه الجوفية فحدوث تسرب للمواد الكيمائية المستخدمة في التكسير احتمال كبير و تعتبر من المسببات الرئيسية للسرطان ، كما أن استخدام كميات هائلة من المياه لعملية الضخ عامل أساسي في استنزاف موارد المياه بالإضافة لكون هذه التقنية عامل جيولوجي لحدوث الزلازل في المنطقة المستثمرة ، ولا يمكن أن ننسى أن العملية بمجملها تحتاج لكميات كبيرة من الطاقة لتشغيل المعدات المستخدمة في التنقيب.

التقديرات العالمية من النفط الصخري لعام 2013

يبين الشكل التالي توزع مكامن الصخور الرسوبية في العالم لإنتاج النفط الصخري حسب التقرير الصادر عن إدارة معلومات الطاقة الأمريكية لعام 2013 و تقديرات احتياطي هذه الدول منه حيث نلاحظ أن روسيا تتصدر القائمة ب75 مليار برميل تليها الولايات المتحدة ب58 مليار برميل بإجمالي احتياط عالمي قدره 345 مليار برميل .

صخري 3

صخري 4

بينما في الدول العربية جاء ليبيا بالمرتبة الأعلى من حيث التقديرات ب26.1 مليار برميل كما هو مبين في التمثيل التالي حيث تم إضافة تقديرات الإمارات بعام 2014 بـ26.1 مليار برميل .

صخري 5

هل أثرت ثورة النفط الصخري في أميركا على خارطة الطاقة العالمية ؟

شهدت أميركا طفرة في إنتاج النفط الصخري خاصة في ولاية تكساس وداكوتا الشمالية التي تربعتا على عرش  الإنتاج بدون منازع ، و قد ساهم ذلك في رفع الإنتاج من مليون برميل يوميا عام 2010 إلى 3 مليون برميل يوميا لعام 2013 و قد ساهم ذلك في صعود إنتاج أميركا النفطي بشقيه التقليدي وغير التقليدي(الصخري) مما رفع من إمكانية تحقيق حلمها في التخلص من التبعية الطاقية ، كما يعزى العديد أن هذه الزيادة لعبت دورا ضاغطا على أسعار النفط العالمية في الأعوام الماضية و سببت في هبوطها الكبير ، لكن بحسب التقديرات هذا الانتعاش الكبير لاستخراج النفط الصخري سيأخذ منحاه في الهبوط في عام 2020 ، ولكن بالرغم من هذا  فإن احتياط النفط الأميركي الإجمالي يقل بست مرات عن احتياطي ثلاث دول خليجية هي الإمارات و السعودية و الكويت .

التحديات التي تواجه النفط الصخري :

تواجه أميركا عدة مصاعب في تحقيق حلمها في الاستقلال الطاقي باعتمادها على النفط الصخري ، فحقيقة أن آبار هذا النفط لا تدوم إلا لسنوات قليلة بعكس أبار النفط التقليدي لعشرات السنين لا يمكن تجاوزه و يشكل عائق كبير في زيادة الإنتاج من هذه المنصات ، كما أن الجدوى الاقتصادية من الاستخراج تعتبر عالية و خاصة في ظل هبوط سعر النفط العالمي فكلفة إنتاج البرميل الواحد تصل الى80-85 دولار و هي تعتبر مرتفعة مما سبب في إعلان العديد من الشركات المستثمرة إفلاسها . ولا تقتصر التحديات عند هذا فقط فالعامل البيئي قد فرض دوره أيضا ، فكما هو معلوم أن التكسير الهيدروليكي يسبب في تزايد النشاط الزلزالي و هذا بدا واضحا في مناطق الاستثمار بالإضافة لتأثيره الصحي على الإنسان باعتباره ملوثا للمياه الجوفية وأمام تزايد الحديث عن خطر النفط الصخري على الصحة العامة زادت حدة الاحتجاجات الشعبية لوقف إنتاجه بشكل كامل فقد شهدت العديد من الولايات و المدن تحركات مناهضة لأنشطة الحفر بتقنية التكسير الهيدروليكي .

إن العالم يشهد صراعات مستمرة للسيطرة على مكامن الطاقة لأنها القبضة الحديدية التي تسعى الدول العظمى من خلالها لفرض هيمنتها على الساحة السياسية و الدولية ، و ما تحمله خارطة الطاقة العالمية في الأيام و السنوات القادمة كفيل بتأجيج النزاعات و الحروب الدولية أو بإيجاد حلول ترضي جميع الأطراف تحت مسمى المصالح المشتركة .

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى