سومر صالح – ديمستورا في خندق ” الفصائل ” .. رسائل ورهانات !
سومر صالح ..
|| Midline-news || – الوسط ..
( 69 ) عاماً عمر الرجل ، قضى منها أربعين في وكالات الأمم المتحدة قبل أن يكلف بوكيل وزارة الخارجية في الحكومة الإيطالية ثم نائباً للوزير , وآخر عامين له كلف بملفٍ شائكٍ في بيئةٍ دوليةٍ متحولةٍ لإيجاد حلٍّ سياسيٍّ للأزمة السورية بصفته مبعوثاً خاصاً للأمين العام للأمم المتحدة و” ميسراً دولياً للمفاوضات ” التي دارت في مدينة جنيف , إنه السيد ستيفان ديمستورا , تاريخه السياسيّ حافل بالمهمات , ومن السذاجة وصفه بقلة الخبرة أو الرعونة السياسية وهو الذي كُلف بمهماتٍ ” أممية ” في جنوب لبنان والعراق أيضاً .
لكن , لا يعني كلّ ذلك أبداً أنه رجلٌ حياديّ في عمله ومهماته فعلى مدى أكثر من عامين بدا الرجل أنه في خندق العدوان على سورية فمشاريعه لـ ” تجميد القتال ” في حلب ولاحقاً مبادرته الشخصية ” لإخراج جبهة النصرة ” من حلب , ومشروعه في ” الحكم الذاتي والإدارة المحلية ” في الأحياء الشرقية لمدينة حلب والعشرات من التصريحات التي تحابي التنظيمات الارهابية تثبت هذه الحقيقة , وملامح التوتر الكبير في علاقته بدمشق وموسكو واستيائهم من افعاله تؤكد ذلك أيضاً , وكان آخرها كلام السيد لافروف وزير الخارجية الروسي حول ” تقويض ديمستورا لمفاوضات السلام حول سورية ” بتاريخ 22/11/2016 أيّ بعد يومين فقط من زيارة الأخير لدمشق وسماعه لكلام سوريٍّ صارمٍ حول رفض مشروعه لـ ” الإدارة الذاتية “, وما تلاها من شائعات حول ” استقالته “.
إذاً ، التوتر في العلاقة بين ديمستورا وسورية وحلفاؤها أصبح أزمةً لا يمكن تجاهلها أو غضّ الطرف عنها ظهرت بوادرها الى السطح مع اتهام موسكو لديمستورا ” بالتقاعس في الوفاء بالتزاماته المتعلقة بالدعوة إلى إجراء جولة من المفاوضات السورية” بتاريخ 12/7/2016 , وبدل أن يلجأ ديمستورا إلى تخفيف التوتر في العلاقة مع موسكو عمد الى السير في الاتجاه المعاكس فأطلق تصريحات صحفية حادة ضدها , محذراً من أنّ روسيا ” ستكون أمام أفغانستان جديدة ، عالية الكلفة على كلّ الصعد , و وراثة بلد ممزق ، مع حرب استنزاف طويلة ، مع مخاطر تنبعث في الداخل الروسي ، وسط عزلة اقتصادية “, ومردفا أن ” موعد اختبار جدية النيات الروسية اقترب كثيراً ” .
وكما قلنا ، من السذاجة وصف الرجل بأنه ” أرعن” أو ” قليل الخبرة ” , فهو يعي جيداً من يخاطب , ولكنه اختار التصعيد , وضد موسكو مباشرة , وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن تصريحاته في اليوم ذاته لانعقاد جلسة مجلس الأمن حول سورية بدعوة فرنسية ( 30/11/2016 ) , وأن يطلب على الملأ أن ” يتحرك مجلس الأمن” , والكلام مفهوم ضمناً أنه يقصد إيقاف تقدم الجيش السوري والقوات الرديفة , في خروجٍ صريحٍ عن مهمته واحاطته , فعلى ماذا يراهن السيد ديمستورا في مواقفه التصعيدية تلك ؟!.
بداية ، من اللافت قول ديمستورا أنّ ” النصر العسكري للنظام في حلب ليس مرجٍحاً “, و ” أن المعطيات الحاكمة للمعركة لا تزال متحركة ، بما في ذلك ضمناً قرار حلفاء المعارضة ” واصفاً الارهاب بـ ” المقاومة “, أي أنه مازال يراهن على تغيرات الخرائط الميدانية في سورية ودعم حلفاء المعارضة للتنظيمات المسلحة , هذا الكلام يتقاطع في ظرف أسبوع مع ما قاله وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرولت أنّ ” بلاده تقدم دعماً مادياً ومعنوياً بشكل سري للمعارضة في حلب ” ( 29/11/2016 ) , ويتقاطع مع ما قاله وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ” أن بلاده ستواصل تسليح المعارضة السورية حتى في حال أوقف ترامب الدعم الأمريكي لها “( 26/11/2016 ) , ويتقاطع مع الدعوة الفرنسية لاجتماع مجموعة ما يسمى “أصدقاء سورية” في كانون أول الجاري للاجتماع, ويعتبر ترجمة مباشرة لكلام الرئيس التركي حول الهدف الحقيقي لعمليات ” درع الفرات ” المدعومة من الجيش التركي , وهو ” اسقاط النظام السوري ” ( 29/11/2016 ) – على حد تعببير أردوغان – ,
من هنا يبدو جلياً أن السيد ديمستورا يراهن على موقفٍ موحدٍ للدول الداعمة للمعارضات السورية متجاوزاً طابع الصدمة التي أحدثها انتخاب الرئيس دونالد ترامب و مواقفه من الأزمة السورية وروسيا , وهو ما دفعه إلى محاولة بث ” الروح ” في اتفاق كيري – لافروف في جنيف حول سورية وخصوصاً مدينة حلب ( 9/9/2016 ) , مع إدراكه التام أن معركة حلب باتت محسومة لصالح الجيش العربي السوري وهو ما عبر عنه صراحة في مؤتمره الصحفي الأخير مع فيدريكا موغريني .
هنا يتبادر الى الذهن مباشرةً سؤالٌ منطقيّ إذا كان ديمستورا يدرك سلفاً أنّ الكفة باتت راجحة بالمطلق لصالح الدولة السورية وحلفائها , ما هو مشروعه أو هدفه من هذا التصعيد؟! , هنا نضع قوله موضع التحليل والتدقيق , فقوله ” الأرجحيات العسكرية ، حتى لو مالت لصالح دمشق وحلفائها ، لن تنهي صلاحية مرجعية جنيف ، على رأسها صيغة جديدة للحكم السوري” ، وعاد ليؤكده في مؤتمره الصحفي مع موغريني حول استعداد سورية ” لحكم انتقالي ” , يضع النقاط على الحروف , فهو يراهن على مواقف تصعيدية للدول الداعمة للمعارضات السورية والتنظيمات المسلحة , لتحجيم الانتصارات الكبرى للدولة السورية عسكرياً وحتى على صعيد المصالحات والتسويات بدءاً من تسويات الوعر وداريا وقدسيا و المعضمية وصولاً الى خان الشيح والتل في ريف دمشق والقائمة في اتساع..
وهو ذات السياق والهدف التي أتت معه الغارة العدوانية الصهيونية على الأراضي السورية (30/11/2016) , وذلك في مقابل احياء قراءاتٍ سياسيةٍ للقرار الدولي (2254) , تستند الى بيان جينيف الاول (2012) , متجاهلاٍ قراءة القرار (2268) لنقاط الخلاف في القرار (2254) , وخصوصاً المادة (7) من القرار التي حددت معنى ” الانتقال السياسي ” بـ ” عملية سياسية تيسرها الامم المتحدة .. ضمن مفاوضات بين الحكومة والمعارضة ” , وعلى ما يبدو , أنّ ” خبرة” السيد ديمستورا لم تسعفه في ادراك ثابتين جديدين في مسار الأزمة السورية , الثابت الأول أنّ الحسم العسكري ضد الارهاب قد اُتخذ قراره بغض النظر عن المسار السياسيّ وأنه لن يتوقف طالما أنّ الارهاب موجود ومعركة حلب ليست الأخيرة كما يتصور ديمستورا وما قرار القوات الروسية بدء عمليةٍ واسعةٍ ضد الإرهابيين في ريفيّ حمص وإدلب إلّا مؤشر في هذا الاتجاه , و الثابت الثاني أنّ الانحسار الاميركي في الأزمة السورية ليس مردّه تغيّر في شخصيات الادارة الامريكية , بل مرده تغيراتٍ في الواقع الميداني على الأرض لصالح القوات السورية وحلفائها , وقناعة الولايات المتحدة أنّ قوة سورية و ” حزب الله ” ( النوعية والكاسرة للتوازن ) عسكرياً في تعاظمٍ مستمر بفضل الدعم الروسيّ والايرانيّ , رغم بعض الاستنزاف الحاصل , تعاظمٌ , سيأتي مستقبلاً بنتائج عكسية حتمية على ” أمن اسرائيل”, وهو ما لا تريده الولايات المتحدة , وهذين الثابتين يفرضان على الولايات المتحدة التأقلم مع وجهة نظر روسيا للحل في سورية .
أمّا مراهنة السيد ديمستورا على التشدد الفرنسي والبريطاني لإحداث خرقٍ سياسيٍّ أو حتى عسكريّ لصالح المعارضات والجماعات الارهابية فهو رهانٌ خاسر لسببين , الأول ، لا تملك القوى الأوربية جماعات كبرى على الأرض على غرار وزارة الدفاع الاميركية يمكن من خلالها التأثير على مجريات الحدث العسكري رغم دعمها المادي والعسكري للإرهاب في سورية , أمّا السبب الثاني فهو سياسيّ فثنائية التفاهم الاميركي الروسي هي أقوى من الموقف الاوربي والخليجي والذي لن يعدو كونه عرقلة في طريق التوصل لهكذا تفاهم , وهو مكرسٌ بصيغة فيينا للحل باعتبار أن روسيا والولايات المتحدة هما رئيسين للمجموعة الدولية حول سورية , دون أن نغفل أيضاً أنّ السياسة الفرنسية مُرجحٌ تغيرها في حال انتخاب فرانسوا فيون رئيساً للجمهورية الفرنسية..
بالمحصلة ، رهاناتٌ خاسرةٌ للمبعوث الدولي ديمستورا , ستجعل رحيله عن منصبه خائباً أولى النتائج السياسية لحسم معركة حلب لصالح الدولة السورية , ولعله درسٌ مفيدٌ لمن سيأتي بعده ليدرك أنّ الدولة السورية باقيةٌ واحدةً موحدةً ذات سيادة كاملة على كلّ شبر من أراضيها وأن العملية السياسية هي خيار السوريين ورؤيتهم واختيارهم وليست تفصيلاً على مقاييس خارجية , وأنّ لا مكان للإرهاب مهما أُلبس من أثواب الاعتدال المفصلة ” غربياً ” , وهي محددات أساسية في التفاوض السوري في أيّ جولاتٍ مستقبلية للمفاوضات في جنيف أو سواها .



