رأي

سرب الإوز الأسود!؟.. د. نهلة عيسى ..

سرب الإوز الأسود!؟..

أحب السمك, مطبوخاً, ومقلياً, ومشوياً, اضافة لحبي له حياً, لأنه وفي, إن غادر موطنه مات, رغم أنه لا يرفع في سماء موطنه علم, ولم يكن في طوفان نوح بحاجة لركوب السفينة, إلا أنه رافق السفينة, لا أسيراً ولا ممتناً, وإنما نداً, رغم أن خياراته كانت بحراً!؟

أحب السمك, وأحب البحر موطنه, وأعرف أن ذلك شأني, وأنني أثرثر بلا طائل, أو ربما أهذي, ولكن كل خطوة في يومي في بلادنا الحزينة, وأظن يومكم شبيه يومي, تذكرني بالسمك, لأن القرارات التي تتخذ لنا وعنا, البيوت, المكاتب, الشوارع, الأزقة, الأسواق, الشمس, الظلال, العتمة باتت شباك صيد, جميعنا فيها نتخبطُ, ونُوزن, ونُباع ونُشترى, ونُقلى ونُشوى, ثم نُتهم بأننا طعام عسير الهضم, حرام أن يُشترى!؟

طعام جانبي على موائد دولية, ليس لديها وقت إلا للأطباق الرئيسية, ولذلك تمتد أيدي النُدُل إلينا, وما يهدد به أردوغان, وما يسعى لفعله على حدودنا خير مثال, فنحن خارج الأخبار, وهو يدرك أنه إن قضم الآن مهما قضم, فلن يفاوض في المستقبل على ما سبق, بل على ما قضم, ليبقى الوضع على ما هو عليه, سنوات طويلة إلى الأمام!!

أعرف أنني أبدو سوداوية؟ ولكنني أكتب عن الحقيقي وليس المثالي, أكتب ما يجري في دمي, ويرتطم بروحي بلا هوادة, بطريقة يستحيل معها اقتلاعه أو تجاوزه أو حتى التصالح معه بدون وضع الأصبع في الجرح, أو على الأقل الإخبار عن الجرح, لعلي بذلك أكون منادياً يستدرج سامعاً وربما مؤيداً, أو يستنفر طبيباً معالجاً.

خاصة وأنني أكره الطبطبة على كتف الميت, في ظل حقيقة أن السؤال: هل نحن موتى أم أننا أحياء بات مشروعاً؟! وأرجو ألا يدهشكم السؤال, لأنه يؤرقني منذ سنين في كل الأيام, وأنا أراقب ازدحامنا في الشوارع, تلاصقنا في الباصات, مراوحة أقدامنا أمام معارض الملابس, عبث أيدينا في بقايا الليرات تساءلها: تراك كافية لبضعة سندويشات؟ والتدافع بالكتف على ركوب الميكروباصات للعودة إلى البيوت, كالحاملين جثامينهم فوق أكتافهم يستوقفون العابرين يسألونهم عن طريق المدافن, فلا يردون السؤال, فيتابعون سيرهم خائبين نحو المنازل, يتمتمون في سرهم: كيف رجعنا المنازل حين قصدنا المقابر, تراها المنازل باتت قبوراً, أم أن الطريق في انكسارات الظلال .. اشتبه!؟

يؤرقني كل صباح هذا السؤال, عندما يمر بي كناسو الطرق واجمون كسرب إوز أسود, تأكلهم دوائر الغبار, فأذوب في مقعد السيارة واتأمل العيون تحكي قصص البيوت المقابر, والرؤوس التي لا يسندها ربما إلا حواف القمصان, فيفيض بي الكرب, ويمزق عن تجلدي الجلد, فأسند في الطريق الأشبه بمجلس الأموات, حطامي المنهار على ظهر مقعد السيارة, وادعي أنني لا أرى!!

أحدق في إشارات المرور, شرطي مرور يرفع يداً فتفزع يمامة, ويطلق صفارة فتتداخل السيارات بل الحكايات ببعضها بعضاً, كثوب مرقع بالخرق الملونة, ملتبس إلى حد السخرية, ومثقل بالروايات الحزينة الختام, ومملوء بقصص العائدين من الحرب بلا وسام!! وليتكم تعرفون كم أنا مهووسة بهذه القصص, إلى حد أنها باتت تشاركني غرفتي, شرفتي, مشجبي, سريري, طعامي, خيالي, تشاركني يومي كزميل سكن, تتلاشى ملامحه في سحب الدخان والكلام, ويربد وجهه إذا رأى في يدي كتاب عن الحرب, أو عن السلام, فيندفع إلى حضني كحمامة مرتاعة, لاهثة .. تلتقط الأنفاس, ثم يخبرني: لماذا تعاشرين كتب الحرب والجوع, ألم تشبعي رعب, ألم يتحجر قلبك من أناشيد الموت, تتلى كالصلوات الخمس في كل بيت في المدينة, متى يا حزينة ستعرفين راحة السكينة!؟

قصص الحجر والحصار, تحوم في غرفتي, تعبر أشيائي إلى الصور المعلقة, تبحث ربما عن حلم لم يندثر, عن صبايا, وأشجار, ورسائل عشق مخبئة في أكمام القمصان, تنتقل من يد إلى يد في السلامات التي تبدو عابرة فيسكت التلفاز عن موجز الانباء, آه ما أجمل الصمت حين يصبح الصوت عدواً للحياة, وما أجمل الخيبة عندما تكون الخيبة مجرد مقطوعة بائسة يتلوها معلم في الصف: ستبقى السنابل, ستبقى البلابل تغرد في أرضنا الخضراء, فيسأل الصغار: ما معنى سنابل!؟

*أستاذة جامعية – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى