رأي

ريمونتادا سياسيّ .. غسان أديب المعلم ..

الـ”ريمونتادا”: حدثٌ رياضيّ مؤقّت ضمن تسعين دقيقة في مباراة كرة قدم بين فريقين، يقلبُ أحدهما النتيجة على الآخر في الدقائق الأخيرة، ويحوّل الهزيمة إلى فوز وانتصار.. وهي تحدث بشكلٍ كبير ومتكرّر، وتكاد تكون حديث العالم كما حصل بالأمس في مباراة الريال والمان سيتي!.

لكن ماذا عن الريمونتادا في السياسة أو الحروب؟، وهل هي موجودة فعلاً!؟.

حقيقة الأمر أنّها موجودة بكلّ تفصيل، ولا شيء ثابت في هذا المجال، والدول القويّة القادرة المُقتدرة أكثر من يُجيدها، وبالتأكيد، فإنّ شرطيّ العالم واللاعب الشيطانيّ الأكبر أكثر من يجيد ذلك براغماتيّاً.

لكن هنالك فارقين اثنين بين “الريمونتادتين” في التوقيت والجمهور.

في علم السياسة يقول وزير الخارجية الأميركي الأسبق وليام روجرز التالي: السياسة هي أن تمسح على رأس الكلب حتى تصل إلى الحجر، ومن ثمّ تضرب الكلب على رأسه!

بالعودة لفارق التوقيت، المباراة تنتهي بتسعين دقيقة، بينما في الحروب والسياسة، الأمر أطول بكثير، فقد تجاوز العالم التسعين يوماً في الحرب الروسيّة الأوكرانيّة، وانكشفت في هذه المدّة أغلب الخطط والنوايا رغم تسجيل الأهداف والنقاط في كلا المرميين!، لكن قلب المعادلة وقلب الطاولة وقلب النتيجة لازال بعيداً جدّاً على ما يبدو من خلال سير الأحداث.

بالأمس أعلن الرئيس الأمريكيّ صراحةً عن خطّته باستكمال دعم الفريق الأوكرانيّ لحين انتصاره!، المهم أن لا ينتصر فريق الديكتاتوريّة الروسيّة مهما كلّف الثمن، لأنّ في انتصاره تمدّداً في معارك ومناطق أخرى في العالم، بحسب تصريح الرئيس الأمريكيّ، وعليه، فقد زادت المساعدات الأمريكيّة لهذا الفريق من قبل ومن بعد التصريح، وما صمود الفريق الأوكراني أمام هجمات الفريق الروسيّ إلّا نتيجة لهذا الدعم الكبير، بل على العكس أيضاً، فالفريق الأوكرانيّ لم يكتفِ بالدفاع بل بادر بشنّ هجمات مرتدّة أحبط فيها الفريق الروسيّ وسجّل عليه أهدافاً قاتلة كتدمير البارجة موسكوفا مثلاً.

وأيضاً بالأمس .. أعلنت دول الاتحاد الأوروبي عزمها على تغيير تكتيكها في المباراة القائمة، وأنها ستستغني عن استيراد النفط الروسيّ، وستؤمّن بدائل له على المستوى القريب، وقبل ذلك بأيام زادت هذه الدول من منسوب ميزانياتها الدفاعيّة العسكريّة للمواجهة، وترافق ذلك مع حزمة عقوبات اقتصاديّة تمثّل أهدافاً بالمرمى الروسيّ.

وفي جانبٍ آخر من المُستفيدين بعد شركات السلاح الأمريكيّة بالدرجة الأولى، فقد ارتفعت أسهم شركة بناء الملاجئ الألمانيّة الوحيدة، وأصبحت كما شركات السلاح الأمريكية تنتظر طوابير الطلبات على أبوابها، وارتفعت أسهمها ستّين بالمئة كما شركات السلاح.

أمّا على المقلب الآخر، فالفريق الروسيّ وبالأمس أيضاً قرّر اقتحام المعمل الصناعيّ في ماريوبل، آزوف ستايل، بعد أن أعلن سابقاً الاكتفاء بحصاره فقط، وعليه، فالتكتيك الروسيّ تغيّر لتسجيل هدفٍ قاتل بعد أيام يُفرح به جماهيره المنتظرة للاحتفال بذكرى انتصار السوفييت على النازيّة.

وبالعودة للفارق الثاني بين الرمونتادتين وهو الجمهور، فالجمهور في المباريات الكرويّة يكاد يكون في غاية السعادة والمتعة للأداء الكروي، وحتى لو خسر الفريق فالخسارة لا تعني نهاية الكون، أمّا جمهور الحروب والسياسة فغالباً مايكسر أحدهما الآخر للأبد، لأن النتيجة هي السحق والموت.

مايُحزنني في هذا الأمر أن جمهور كلا الفريقين يكتوي بنيران المدفعيات ولهيب القذائف، وغالباً ماتكون الضحايا من الأبرياء الذين لا ناقة لهم في هذه الحرب ولا جمل.

والحزن الأكبر أيضاً على الجمهور البعيد عن أرض المعركة جغرافيّاً، ويكتوي بالنتائج الاقتصاديّة لهذه الحرب وتصاعدها اليوميّ، ويسأل حكوماته “العنيدة والعتيدة”:

ألا من ريمونتادا في أدمغتكم؟، ألا من ريمونتادا تقلب أفكاركم الخشبيّة؟.

الدول والفِرق الرياضية تغيّر تكتيكها وتكنيكها بكلّ لحظة لأجل شعوبها ولتحقيق نصرها المنتظر، أين أنتم من الريمونتادا وشباكنا أصبحت ممّزقة؟.

وأخيراً، ليس القصد بتغيير الأفكار بأنّ نصطفّ مع الفريق الأمريكيّ، ولا حتّى زيادة الاتكّال على الفريق الروسيّ، بل كلّ الأمر أن تتغيّر الأفكار نحو الإنسان، فالإنسان وحده قادرٌ على تصحيح التاريخ والنتيجة.

*كاتب وروائي من سوريا – دمشق
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى