د. إنصاف حمد – بين الشعيرات وشرق الفرات : ترامب وفوضى السياسات
مداد – مركز دمشق للدراسات والأبحاث ..
في حين بدت التصريحاتُ الأخيرةُ حولَ أولويةِ محاربة “داعش” وحقِّ الشعب السوري في تقرير من يكون رئيساً له، كأنها إعلان عن استراتيجية جديدة للولايات المتحدة الأمريكية في سورية خصوصاً والمنطقة عموماً، أتت الضربة الأمريكية لمطار الشعيرات لتضفي بعداً من اللايقين على ذلك.
من حيث الشكل بدا الأمر قبل الضربة كأنه تغييرٌ فعليٌّ، سواءٌ من حيث تواتر التصريحات وتتاليها -ربما قطعاً لأي غموض أو سوء فهم حول المقصود بها-أم من حيث اختيار تركيا مكاناً للبدء بالإعلان عنها (عبر مؤتمر صحفي لوزيري خارجيتي أمريكا وتركيا، أعقبه مباشرةً إعلان تركيا عن انتهاء عملية “درع الفرات” في الشمال السوري).
بدا الأمر أيضاً متسقاً مع برنامج ترامب الانتخابي، ومع كل ما أعلنه في حملته التي أوصلته إلى سدة الرئاسة. إذاً عنصر المفاجأة لا ينبغي أن يكون ثقيل الوطأة هنا، وإن كان البعض قد بنى توقعات وآمالاً أخرى، بناءً على التأخر في الإفصاح عن ذلك.
أتت الضربة إذن، لتعيد خلط الأوراق، تماماً كما في حالة بوش الابن، مع اختلاف الظروف وموازين القُوى، كان ترامب في أمس الحاجة إلى الخروج من مأزقٍ بدأ يحكمُ قبضته على عنقه، فالاتهامات المتصاعدة بالتعاون مع روسيا دفعت إلى إقالات أو استقالات ضمن الدائرة القريبة من معاونيه، في محاولة حثيثة من الدولة العميقة لتطويعه، وإعادته إلى الحظيرة.
هكذا تم ترتيب حادثة خان شيخون على عجل، فرغم ضعف الرواية وتخلخل المشهدية جرى الاستثمار فيها بالحد الأقصى، السرعة الفائقة للإدانات والاتهامات الجاهزة ثم الضربة الأمريكية لا تترك مجالاً للتصديق بعفويتها، بل الوقوع عمداً في مغالطة “بعده إذن بسببه”. أتت الضربة الأمريكية محدودةً و”جدَّ مدروسةً” وفقاً لتعبير نيكي هيلي، لكن فرقعتها الإعلامية وتكلفتها فاقتا ضآلة نتائجها بما لا يقاس، فبعد ساعات قليلة استأنفت الطائرات إقلاعها من مطار الشعيرات لضرب النصرة في إدلب وغيرها، وأوقفت روسيا بروتكول التنسيق مع الولايات المتحدة لتجنب الحوادث في الأجواء السورية، وأعلن مجلس الأمن القومي الروسي مزيداً من الدعم للجيش السوري ما يعني وجود الإس 300 بإمرة الجيش السوري وليس فقط الروسي كما هو عليه الحال الآن.
هذا لا يعني أن الضربة لم تأتِ أكلها كما أراد لها ترامب، فقد برّدت الرؤوس الحامية في المؤسسة الأمريكية ومعها الرؤوس القلقة من الحلفاء والتابعين، وأوصلت الرسالة بأن الساحة السورية لن تُترك “للعدو الروسي”، وأظهرت بوضوح القطيعة مع عهد أوباما الغامض والمتردد بل الضعيف في مقابل ترامب القوي والمبادر.
بين الضربة والتصريحات التي سبقتها مشهدان مختلفان، يمكن، أو يحلو للبعض أن يختارَ أيّاً منهما للتعبير عن جوهر السياسة الأمريكية في المنطقة، وفقاً لأمنياته أو رغباته.
في العمق، ليس الأمر على هذا النحو، فالحديث عن تَغَيُّرٍ في الاستراتيجية الأمريكية، يجب أن يكون مرتبطاً بإثبات تغيرٍ حاصل في “النواة الصلبة” لهذه الاستراتيجية والمتمثلة في ضمان مصالح الدولة الأمريكية الاقتصادية والسياسية وهيمنتها على العالم، يتطلب تحقيق ذلك اتباع كل السياسات المتاحة لازدهار لوبيات النفط والسلاح (القوة الفاعلة الأساسية في الإيستابلشمنت الأمريكية)، ويحتاج إلى تعزيز “الحزام الواقي” لتلك النواة عبر استمرار الحضور العسكري في القواعد الأمريكية المنتشرة في العالم وزيادة عددها حيثما كان ذلك مطلوباً، وعبر تطويع “الدول المارقة” بمختلف الأساليب المتاحة، الناعمة والخشنة، عسكرياً واقتصادياً، حيث تكون أذرع الباب الخلفي الضاربة جاهزة دائماً كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
لم تتغير النواة الصلبة للاستراتيجية الأمريكية، ولن تتغير، تتغير فقط السياسات وفق الحاجة وفي سياق تحقيق الهدف: الحفاظ على النواة، لا حمولة أخلاقية هنا لأي سياسة أو منهج متبع. “كله ماشي” everything goes”” وفقاً لتعبير باول فييرابند صاحب الابستمولوجية الفوضوية والمسؤول عن السياسات التربوية في إحدى أكبر الولايات الأمريكية، في أبلغ وأكثف تعبير عن الذهنية البراغماتية، كله ماشي، إذا ما حقق النتيجة المرجوة والمطلوبة، إنه جيد، صحيح، طالما أنه نافع وناجح، حتى الفوضى تغدو “خلاقة” هنا.
لم توفر أمريكا منهجاً إلا واتبعته لتنفيذ استراتيجيتها الثابتة، لتطويع الدول المارقة في المنطقة. العراق وسورية كانتا نتوءين بارزين في منطقة تخضع بمجملها للنفوذ الأمريكي، مع العراق تم استخدام الحصار والعقوبات، وصولاً إلى الاحتلال الذي كان بمثابة تجرع السم، تم إنجاز المهمة، وتحول العراق إلى شبه دولةٍ فاشلةٍ عبر ديمقراطية زائفة تعتمد المحاصصة العرقية والطائفية التي دقت إسفين تقسيمه تحت تسمية الفدرالية، تحقق الهدف في العراق لكن الثمن كان خسارةً أمريكيةً فادحة، مادياً وبشرياً، ولتجنب تكرار ذلك تم استبدال المنهج بآخر، خوض حروب من خلال قواتٍ تخلقها داخل البلد المراد السيطرة عليه واستخدام الميديا لخلقِ حالةٍ من الفوران الشعبي يجري دعمها وتسليحها وتدريبها لتحقيق الغرض المطلوب. أشارت إحدى الوثائق الأمريكية المسربة مؤخراً والتي تعود إلى أواخر الثمانينيات، إلى مثل هذا المسار في سورية.
وهذا ما تم تطبيقه فعلاً، خططت أمريكا وقامت أدواتها بالتحريض والتسهيل والتدريب والتمويل، بدءاً من دول الخليج والأردن مروراً بتركيا وانتهاءً بإسرائيل، تحقق جزءٌ من الهدف: إنهاك سورية وتدميرها وضرب اقتصادها؛ لكن كل ذلك لم ينجز إكمال المهمة بإدخالها ضمن الحظيرة الأمريكية، حال دون ذلك صمودٌ أسطوري للدولة بمكوناتها ودعمٌ من حلفاءٍ برهنوا عن استبصار لمآلات ما يُراد لسورية ولهم، وعن استعدادٍ “لإجراء ما يلزم” عند الضرورة.
أمريكا البرغماتية راجعت سياساتها، ومناهجها المتبعة، ما اقتضى تغييراً “تكتيكياً”، استلزم تبديلاً في شخوص المسرح السياسي، حملت رياح المراجعة ترامب إلى سدة السلطة مقصيةً كلينتون بكل ما تمثله من تبنٍّ للمنهجية السابقة، أدوات المنهج الجديد المحلية هي “قوات سورية الديمقراطية” بشكل رئيس، بعد تنحية الأدوات السابقة الفصائل الإسلامية “المتشددة منها والمعتدلة”، دون التخلي عنها نهائياً وإبقائها أوراقاً للاستخدام عند اللزوم.
مع الحصان الأسود الجديد -القديم، ومع التطورات الأخيرة في مدينة الطبقة يجري العمل على حسم مصير “داعش” بعد انتهاء وظيفته معلنةً أنها “أتممت علينا نعمتها وأكملت لنا الخراب”. ستعمل أمريكا من خلال “قسد” على جعل تقسيم سورية أمراً واقعاً، مستوليةً على شرق الفرات بكل ما فيه من غنى بالموارد الطبيعية وبكل ما يعنيه سياسياً من اقتطاع لجزءٍ أساسٍ واستراتيجيٍّ ومن قطع للحبل السري الواصل بين إيران وسورية وحزب الله.
عبر إحداث “الكيان” الكردي، بقوة الأمر الواقع، تكون أمريكا، ومعها إسرائيل بالضرورة قد كسبتا موطئ قدم في منطقة لطالما استعصت عليهما، وعلى مدى سبع سنوات من الحرب، وقبلها عقود من المحاولات الفاشلة، وها هي أمريكا أخيراً ستكون حاضرة وبقوة عبر قواعدها وعبر حلفائها “الكُرد” بعد أن رسخت حضورها قبلاً في العراق وقبلاً بكثير في الخليج وتركيا.
يحمل تطبيق هذا المنهج بذور فشل جلية، تدرك أمريكا -وربما بعض الكرد- أن إمكانية الحياة لهذا الجنين “الكردي” ضئيلة، بل معدومة، ثمة دولٌ محيطة لا تريده وحصارٌ سيضرب حوله، وسيحرمه من إمكانيات الاستمرار، يحمل الجنين أيضاً مورثاتٍ ممرضة تتخلق جراءها إمكانيات لنزاعات واقتتال دائمين، فإذا ما افترضنا جدلاً أن “الكرد” المنقسمين سيتجاوزون خلافاتهم المسكوت عنها الآن، لن يرضى المكون العربي الأكثر “عدداً” بحكمٍ كردي، حتى لو تم الاحتيال عليه بدمى عربية كـ”الجربا” مثلاً، وربما في محاولةٍ لن تكون مجدية، وقع التهويل من انهيار سد الفرات لإحداث رعب يدفع سكان المنطقة العرب إلى الهروب خوفاً، في محاولةٍ بائسة لإحداث تغييرٍ ديموغرافي مطلوب ولو جزئياً في المنطقة لطالما سعى بعضُ قوات الكرد لإنجازه.
لماذا إذن يجري ما يجري؟ ربما لأن ذلك سيجعل من قبول “الفدرالية” مع كيان الأمر الواقع “أهون الشرين” بوصفها إعادة الجزء المقتطع إلى “حضن الوطن”، ولو أنها ستكون عودة منقوصة بالضرورة، فما بعد الحضور الأمريكي والبريطاني وخلفهما الإسرائيلي في شرق الفرات لن يكون كما قبله.
من المستبعد ألا يكون هذا السيناريو واضحاً في مدارك دمشق وحلفائها (لننظر ماذا يفعل الروس مع كرد عفرين). ما يتطلب العمل حثيثاً للاستعدادات للمعركة الأخطر “الآن وهنا”، فلن يكون من المقبول أن تكون القواعد الأمريكية والذراع الإسرائيلية حاضرتين في “كيان” سيكون مخرزاً في عيون وقلوب السوريين، ولن يتحول شرق الفرات إلى لواء اسكندرون جديد، لقد وعى السوريون الدرس جيداً. وربما من سيأتي العون الأكبر من بعض السوريين “الكرد” الوطنيين.
نعم لقد كان قرع “الطبل” في الشعيرات، لكن “العرس” شرقي الفرات!



