رأي

سومر صالح – خيار ” الضرورة ” .. التفاوض على صفيح الجمر الملتهب

سومر صالح ..

|| Midline-news || – الوسط  ..

الهدوء الظاهر حاليا أو التظاهر بالهدوء في العلاقة الاميركية الروسية, التي أرساها لقاء لوزان (15/11/2016)حول سورية والذي استمر في المرحلة التي أعقبت انتخاب رئيس جديد للولايات المتحدة , لا يعكس الحقيقة أبداً , فتحت رماد التصعيد الأميركيّ ضدّ سورية الذي أخمدته الاجراءات الروسية الحاسمة والسريعة جمرٌ ملتهب,فالاعتداء على مواقع الجيش السوري في جبل الثردة بدير الزور, وما تلاها من طلب اوباما لوكالات الأمن القومي ببحث “كلّ الخيارات “في سورية بما فيها عمل عدائيّ ضد الجيش السوري, لم يكن مقصده الدفع باتجاه تحريك المفاوضات السياسية بل على العكس كان هدفه تقويض كلّ المفاوضات والاتفاقيات السابقة المسماة مسار جنيف وفيينا, إجراءاتٌ أميركية قابلها حسمٌ روسيٌّ عبر نشر منظومة صواريخ “S 300” في سورية(4/10/2016) , وتحشيد القوة الضاربة للأساطيل الروسية قبالة المتوسط, بما فيها حامل الطائرات “بطرس الاكبر” و الطراد “كوزنتسوف”.

اجراءاتٌ كانت كفيلة بردع النوايا الاميركية وإخماد جذوة نار التصعيد التي أوقدها صقور إدارة الرئيس اوباما, ولتخفيض سقف التوتر الروسيّ الاميركيّ امتنع الطيران الروسي بأمرٍ من الرئيس بوتين عن التحليق فوق مدينة حلب اعتباراً من 18/10/2016 والى حينه,هنا حصل متغيرٌ مهم في طبيعة الأزمة يساوي من حيث القيمة الاستراتيجية الدخول الروسي الى سورية بـ (ـ30ـ/9/2015),هذا المتغير هو قرار القيادة السورية حسم معركة حلب كاملاً, حيث شكّل التقدم الذي أحرزه الجيش السوري في الأحياء الشرقية لمدينة حلب زلزالاً استراتيجياً أصابت هزاته الارتدادية معظم عواصم صنع القرار الدوليّ, ترافق هذا الزلزال مع بدء القوات الروسية عمليةًواسعةً على مواقع تنظيمي “داعش وجبهةالنصرة”في ريفي إدلب وحمص (15/11/20116),بما يعني أنّ قرار الحسم في أكبر بؤرتين ارهابيتين قد اتخذ, وأنّ العمود الفقري ونواة العدوان على سورية بات حسمها مسألة وقت لا قرار, وحتى تفوّت روسيا على صقور إدارة اوباما امكانية اشعال النيران في احتمالية التقارب بين الإدارة الجديدة وروسيا, استمر امتناع الطيران الروسي عن توجيه ضرباتٍ في الأحياء الشرقية لمدينة حلب, وضعيةٌ عسكرية وسياسية سببت الكثير من الحرج لإدارة اوباما التي بدت عاجزةً عن الوقوف في وجه المتغيرات الحاصلة,

هذا العجز دفع مجلس النواب الاميركي إلى التحرك وتهيئة بدائل سياسيةً وعسكريةً يمكن للرئيس الاميركي الحالي والجديد الاستفادة منها, فشرّع ثلاثة قوانين تشكّل بمجموعها أداة ضغط سياسية على روسيا يمكن استخدامها في المفاوضات التي تجري في جنيف بين الجانبين حول ما وصفه وزير الخارجية الروسي بـ”أزمة حلب”, القانون الأول هو قانون “سيزر” الذي أمهل الرئيس الأمريكي 90 يوماًليقترح آليةمنطقة حظرٍجوي في سوريا, ويتيح له فرض عقوبات على روسيا وايران .., التشريع الثاني سيتم بمقتضاه  السماح لإدارة الرئيس ترامب تزويد الفصائل المسلحة في سورية بصواريخ محمولة على الكتف والمعروفة باسم “مانباد” , والقانون الثالث وهو اعلاميّ بامتياز حيث صادق المجلس على تقديم(3,4) مليارات دولار للبنتاغون من أجل “ردع روسيا”, ترافقت هذه الاجراءات التشريعية مع نقل سفينتين حربيتين أمريكيتين إلى البحرالمتوسط على متنهما (4000) جنديأميركي,

وحتى تضح الصورة أكثر نطرح السؤال التالي هل هذه الاجراءات هي عدائية أم تفاوضية؟ هنا نضع جملة التطورات السياسية و الإعلامية الدولية موضع التدقيق ونوجزها بخمسة تطورات الأول هو تقديم الادارة الاميركية لمجموعةمن المقترحات بخصوص سورية .”تنسجم مع المواقف التي يتمسك بهاالخبراءالروس” على حد الوصف الروسي, في اجتماع كيري – لافروف الاخير (2/12/2016), و التطور الثاني هو طرح مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الاوربي وثيقة توضح رؤيتها لـ”مستقبل سورية” كنظام برلماني وفق دستور (1950) واعترافها مرغمة بحتمية انتصار الأسد, والتطور الثالث هو تأكيد المبعوث الدولي الى سوريا ستيفان ديمستورا على مبدأ” تقاسم السلطة” “للجميع”,

والتطور الرابع بدءالجمعيةالعامةللأممالمتحدة،الجمعة2/12/2016،محادثات بشأن مسودةقرار يطالب بإنهاءالقتال في سوريا, أمّا التطور الخامس وهو الأهم فهو تأكيد موسكو استعدادها إعادة الخبراء والمفاوضين إلى جنيف شرط ألّا يكون”لقاءمن أجل ذاته”,ومن خلال جملة التطورات تلك يتضح أنّ هناك رغبةً غربيةً بقيادة الولايات المتحدة بتجنب الاعتراف بالهزيمة العسكرية في حلب والالتفاف على هذا الانتصار وتجويفه من مفاعيله السياسية والعسكرية من بوابة المفاوضات عبر جنيف مع التسليم مسبقاً بالشروط الروسية, ولكن ينبغي تحسين الموقع التفاوضي الأميركي قبيل انطلاق هذه المفاوضات مسبقاً, ومن هنا نضع جملة التطورات السابقة في خانة تحسين البيئة التفاوضية الاميركية,و لكن مع صنع معطيات يمكن الاستفادة منها في حال تعثر أو فشل المفاوضات حول مدينة حلب يمكن البناء عليها مستقبلا ً كقانون “سيزر” و تزويد الفصائل المسلحة بمضادات طيران,

وفي مقابل كلّ ذلك يبقى التقدم السوري على الأرض من دون اسناد جويّ روسيّ مباشر فوق حلب أكبر ورقة تفاوضية تؤرق الادارة الاميركية في مواجهة روسيا, فهذا الواقع يرسم حدوداً و أطراً لشكل الاتفاق ومضامينه سلفاً, بغض النظر عن التهديدات الاميركية.., هذه المقاربة تقودنا إلى طرح سؤال ثانٍ مرتبط بالأول, ماذا لو تعثرت المفاوضات بين الجانبين الاميركي والروسي حول حلب؟ هنا نستذكر كلام السيد ديمستورا حرفياً “روسياستكون أمام أفغانستان جديدة،عاليةالكلفة على كلّالصعد, ووراثة بلد ممزق،مع حرب استنزاف طويلة،مع مخاطرتنبعث في الداخل الروسي،وسط عزلة اقتصادية”,

فالافغنة هي ترجمة مباشرة لتفويض مجلس النواب الاميركي لإدارة ترامب وليس اوباما تزويد الفصائل بصواريخ مالباد, والعزلة هي التطبيق المباشر لقانون “سيزر” الذي يتيح فرض عقوبات اقتصادية على روسيا, فموسكو تدرك جيداً معنى كلام البنتاغون بلسان ديمستورا رغم امتلاكها كلّ أدوات المواجهة و الحسم ضد الارهاب في سورية إلّا أنّها تعي جيداً معنى الاستنزاف و تبعاته, لذلك برز لدينا موقفان روسيان يؤطران وجهة النظر الروسية, الموقف الأول تذكير وزارة الدفاع الروسية بامتناع الطيران الروسي عن القصف في حلب, والموقف الثاني هو كلام بوتين عن “تغير وضع العالم” باتجاه “اللاقطبية الاميركية”وتأكيده “علينا أن نحترم مصالح الآخرين” في معرض الدفاع “عن مصالحنا القومية”, هذين الموقفين الروسيين المستجدين مع التحشيد الكبير للقوات الروسية والاميركية شرق المتوسط يؤسسان لمسارين قريبين: المسار الأول تفاوضيّ وهذا الأمر يعني محاولة إحياء اتفاق جنيف بنسخةٍ محدثةٍ عنه حول مدينة حلب يتضمن خلّو المدينة من كامل المسلحين ويثبت نظام وقف الاعمال القتالية وفق نص القرار (2268), وهذا يتطلب فصل ما يسمى “معارضة معتدلة” عن الارهاب, ويبدو أنّ المهمة باتت صعبة على الولايات المتحدة في ظل انشاء “جيش حلب” كمحاولة للالتفاف على هذا السيناريو ,والمسار الثاني هو تصعيدي يبدأ مع فشل المسار الأول وينتهي بانخراط كلّ الاطراف الفاعلة في معركة حلب بما فيها روسيا بشكل مباشر و الولايات المتحدة بشكلٍ غير مباشر, وسيكون الموقف التركي مؤثراً فمن المتوقع أن تقوم قواته المسماة “درع الفرات” بالانقضاض على مدينة الباب الاستراتيجية لإشغال القوات السورية,ومعه يصبح من الصعب التنبؤ بمستقبل التطورات والتداعيات ليس في سورية فقط بل في أماكن الاشتباك الدولية الحاصلة كأوكرانيا أو المحتملة كبحر الصين الجنوبي وبحر البلطيق.., احتمالات وسيناريوهات يدركها الجميع وتجعل من المسار التفاوضيّ خيار الضرورة, ومع هذا الخيار سيعمد الجانبين الروسي والاميركي إلى الزج بكل الأوراق التفاوضية دفعةً واحدةً لتحصيل أكبر قدر من التنازلات من الطرف الاخر, ويستخدم كلّ منهما أداة الضغط الممكنة ضد الطرف الاخر… ولكن سلفاً لااتفاق نهائيّ حول الوضع في سورية, جلّ ما يمكن توقعه هو اتفاقٌ محدودٌ جغرافياً وسياسياً يؤطر العلاقة الأميركية الروسية في المرحلة الانتقالية الأميركية ويضع حداً لطموحات الصقور في الادارة الاميركية المقبلة…ولكن بعكس كلّ الاتفاقات السابقة الثنائية الطابع سيكون الاتفاق الجديد موقع من طرف ثالث وهو ارادة الجيش العربي السوري.

*صحفي وباحث سياسي سوري
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى