رأي

خطر حقيقي ومُخاطرة مُستَحقَّة .. غسان أديب المعلم ..

 

“قد يأتي السلام في النهاية، لكنّه قد يأتي بعد أن يفقد النصر والهزيمة معناهما”  – كارل يونغ

 

يُعتبر النصر في الدول التي يغلب على طابعها “الحياتيّ، الثقافيّ” طابع الآيدولوجيا، مطلباً جماهيريّاً وحاجة معنويّة بعيدة كلّ البُعد عن المادّيات، ويكون النصر ذو دلائل معنويّة تأخذ بُعداً عاطفيّاً ووجدانيّاً مُرتبطاً بالتضحيات والبطولات التي يُقدّمها الشعب والجيش، وكمّ الصمود وحيّز التصدّي.

وغالباً مايكثر مفهوم “الانتصار الوهميّ” لتحقيق استمراريّة السيطرة على الجماهير، وكذلك الأمر للتمسّك بالسلطة، على عكس الدول التي تعتمد الطابع البراغماتي المرتبط بالمادّة بعد أن تضع الدولة استراتيجيّتها ومصلحتها العليا في تحقيق الأمن والحريّة والرفاه للشعب، وحقيقة الأمر تكمن في تحقيق المصلحة العليا.

فأيّ خسارة للأرض “جغرافيّاً” مُلحقة بخسارة اقتصاديّة وعسكريّة على مستوى أمان الفرد ومستوى معيشته، فلن يستطيع أيّ انتصارٍ سياسيّ تزييف الحقائق.

 

والمقدّمة هنا، ليست في وارد تحديد النصر أو الهزيمة في معركة كبرى لم تنتهِ بعد،  بقدر ماهي تسليط الضوء على مكامن الخطر ونقاط الضعف التي تُحيط بوطننا في خضّم معركة جارية ومستمرّة لأجل تحقيق المصلحة العليا، والهدف المنشود لأيّ شعب، كي لا يفتقد النصر لمعناه الحقيقيّ.

فكثيراً مانسمع ونقرأ عن انتصارات عاطفيّة ليست في مسارها الصحيح، حتى ولو كانت الغاية رفع المعنويّات، فأن نستقبل سفيراً ما، أو تُعاد العلاقات مع دولةٍ ما، أو التفكير بقبول دعوةٍ للصلح مع طرفٍ ما، فليس بالضرورة أن يكون ذلك تحت باب نصرٍ مزعوم.

فالوطن مازالت الكثير من أجزائه تحت نير احتلالات مختلفة، والعدوان الإسرائيلي مُستمر، ورفعَ حدود سقفه بالتهديد بعد قصف مطار دمشق الدوليّ، وكذلك الأمر استقدامه للحفّارة اليونانيّة لسرقة غاز لبنان جهاراً نهاراً، وهو مايُنذر بسحب مسمار الأمان لإنفلات صاعق الحرب.

وكذلك الأمر بالنسبة للشمال السوري، فهناك تهديد تركيّ مُستمر، وقد تأخذ التهديدات محمل الجدّ في أيّ لحظة.

وضمن هذه الأحداث المتسارعة شمالاً وجنوباً، وبالتزامن معها، تطلب حركة حماس الإذن للعودة للحُضن السوريّ الدافئ، متجاوزةً بذلك الإذن براغماتيّاً ما اقترفته بحقّ سوريا ابتداءً من حفر الأنفاق، مروراً باستهداف السوريّين مدنيّين وعسكريّين في المقتل، وليس انتهاءً بالمواقف السياسيّة والاصطفاف مع المجموعات الإرهابيّة عسكريّاً، لدرجة أن مُعظم السوريّين وضعوا الحركة في خانة الأعداء، علماً أنّ منهم من كان على عداوة قديمة مع الحركة ويعتبرونها ذراعاً متقدّماً للموساد، واعتبروا أن مواقفها في الأزمة أكبر برهانٍ ودليل على صحّة نظريّاتهم..

حتّى أنّ السيد رئيس الجمهورية أعلن ذلك جليّاً بتصريحه حين قال: كنّا ندعم حماس على اعتبار أنهم مقاومة، وثبت في المحصّلة أنّ الإخوانيّ هو إخوانيّ بأي مكانٍ يضع نفسه فيه.

وبعد كلّ ذلك يأتي من يصف هذا الأمر بالانتصار، ثم يلملم مفردات النصر في القواميس، ويردفها بنسقٍ لغويّ لأجل التمهيد أو التلميع من جديد لهذه الحركة!.

وهنا مكمن الخطورة في ضرب المعنى، والقفز فوق المبادئ، تحت حجّة مصالح الدولة العُليا، في حين أنّ مصلحة الدولة الحقيقيّة في تحقيق فائض القوّة وتمتين مناعة الوضع الداخليّ لأهمّ مكوّناتها وهو الشعب.

وهذه المناعة والقوّة لا تأتي إلّا بالحوار الحقيقيّ لأجل مشروع وطنيّ جامع، مع حيّزٍ كامل من الحريّات للوصول إلى نصرٍ حقيقيّ كامل المعنى..

 

وكما قال الماغوط العظيم:

“من اليمين إلى اليسار، ومن اليسار إلى اليمين، من دون حريّة لا يمكننا الانتصار حتّى على دودة القطن”.

وعليه، دعونا ندعو في كلّ وقت لتأمين الجبهة الداخليّة التي تشكّل بيضة القبّان في النصر أو الهزيمة، من حيث قوّتها أو ضعفها، وهي أساس الأمور والمعاني برمّتها.

ويقول تشرشل: “لا يتمّ انتزاع النصر إلّا من خلال المُخاطرة”.

وغالباً ماتخشى السلطات الحوار الحقيقيّ كي لا تفقد من وزنها وأرباحها ومصالحها.

فهلّا خاطرتم يوماً بخطوة واحدة تجاه الشعب لدحر الخطر، أم تبقى الأمور على حالها وننهزم جميعاً بنصركم المزعوم!؟.

 

*كاتب وروائي من سوريا – دمشق
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى