رأي

حجارة الوادي بين البوتاميك والعاصي .. بشار جرار – واشنطن ..

 

الأول، (البوتاميك)، نهرٌ أمريكي، والثاني (العاصي)، نهرٌ سوري، كلاهما مازالا جاريين على اختلاف منسوب الماء فيهما، هذا تعرف به العاصمة الأمريكية واشنطن، وذاك تعرّف به سورية معقودة أو ممدودة (سوريا).

لن أتوقف كثيرا عند الجغرافية السياسية لنهر البوتاميك ولا العاصي، الأول استمد الاسم من عراقة قبائل الهنود الحمر أصحاب الأرض الأصليين قبل هجرات و”فتوحات” المهاجريين من أوروبا بداية، حتى أتى فيه زمن ضعف قوانين الزيارة والإقامة والهجرة والتجنيس حتى تداعى على النحو الذي وصفته الأمم المتحدة بـ”اجتياح” هو “الأخطر” في تاريخ البشرية للمهاجرين غير الشرعيين القادمين من المكسيك وعبر أراضيها من كل أصقاع الدنيا إلى بلاد كانت تعرف ببلاد العم سام!.

كنا صغاراً وعلمونا أن اسم العاصي أتى بعيداً عن معاصي البشر، فالماء طهور والنهر رمز للقداسة، عرفنا يومها بؤس بعض التسميات “المغرضة”، فما ذنب ذاك النهر أن قرر الجريان خلافا لاتجاه الكل؟!، تسمية “العاصي” كان بالإمكان تغييرها إلى “الفريد”، لكن لا عتب على من تمسكوا حتى الآن بتسمية ميادين وشوارع بأسماء المحتل العثماني البغيض أحد أبشع الاحتلالات الإحلالية التوسعية التي عرفتها الإنسانية.

على أي حال، وبصرف النظر عن العملية التركية “المرتقبة” في الشمال السوري المحتل أصلاً، فإن الكل متغير ولا باقي إلا حجارة الوادي في أنهار الدنيا كلها مهما أقامت تركيا وإيران وإثيوبيا من سدود وبحيرات صناعية، وتحكمت في عطش الناس والماشية (الحلال) والأرض، هذه الأرض فيها أكثر من “الدماء والرمل” كما قال يوما الرئيس السابق دونالد ترامب، مبرراً انسحابه من سورية، حتى تمكّن عضو مجلس الشيوخ الجمهوري المخضرم ليندسي غراهام (تلفظ غرام) من تغيير رأيه، غراهام – وهو من رموز الدولة العميقة في أمريكا – اختتم جولة ميدانية في (مناطق الإدارة الذاتية) المعلنة من جانب واحد شمال شرق سورية، والعراق (إقليم كردستان)، وتركيا، ومن بين من رافق غراهام في الجولة التي شملت مخيم (معسكر) الهول وسجن غويران، الجنرال جون برينان، قائد قوات التحالف الدولي لمحاربة داعش.

من المعلوم “صقورية” غراهام في ملفات إقليمية خاصة بروسيا وسورية وإيران وإسرائيل، لكن جناحاً طاغياً في الحزب الجمهوري الآن، يدرجه تحت لائحة تتدرج من السوداء إلى الرمادية، تعرف بـ “راينو” اختصارا لوسم “جمهوريين بالاسم فقط” حيث يؤخذ عليه اندفاعه نحو الخيار العسكري في تسوية الخلافات مع الخصوم وشخصنة تلك الخلافات واختزالها بشخص.

المحرج أن هذا الاندفاع قابل للتقلّب والاستدارة مئة وثمانين درجة! يأمل غراهام نجاح وساطة أمريكية تتفادى حرباً، شريطة حصول رجب طيب اردوغان على مكافأة إحجامه عن استخدام الفيتو ضد انضمام فنلندا والسويد إلى الناتو، مكافأة لا تظهر تخلياً عن قسد على غرار تسليم أفغانستان لطالبان ولا تنتهي بنصر سوري أو روسي.

الرئيس الأمريكي جو بايدن ليس بأفضل حال، ففي جولته المرتقبة الأسبوع المقبل إلى الشرق الأوسط، استدارة أيضاً لها مبرراتها الاقتصادية والداخلية الأمريكية والاستراتيجية على مستوى ثلاث ساحات إقليمية ستشكل النظام العالم الجديد وهي الشرق الأوسط، أوروبا والصين.

أيا كان اتجاه الجريان وشدة اندفاعه، البقاء لحجارة الوادي..

 

*كاتب ومحلل سياسي – مدرب مع برنامج الدبلوماسية العامة في الخارجية الأميركية ..
المقال يعبر عن رأي الكاتب ..
عنوان الكاتب على basharjarrar : Twitter

 

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى