أرشيف الموقع

تلاقيات سياسية عند « أهون الشرّين » !- محمد سيد رصاص

محمد سيد رصاص – جريدة الحياة ..
|| Midline-news || – الوسط  ..

بعد شهرين من نشوب الأزمة السورية بدءاً من مدينة درعا في 18 آذار (مارس) 2011 قال معارض سوري ، قضى في السجن أكثر من عقد ونصف العقد بين الثمانينات والتسعينات ، العبارة التالية : « اللوحة السورية تلخص بثنائية السلطة والإسلاميين ، والأولى أهون الشرّين » .

توزّع الكثيرون من نزلاء السجن السياسي السوري في فترة 1976- 2000 من اليساريين العروبيين والماركسيين في « الخط الثالث »  عند  « هيئة التنسيق » ، التي رفضت « الاستعانة بالخارج »  و  « العنف المعارض » ونادت بالتسوية السياسية الانتقالية ، وفي « الخط الثاني » عند « المجلس الوطني » و « الائتلاف » ، ولكن كان كثيرون منهم أيضاً في مرحلة ما بعد درعا في إطار خط « أهون الشرين » . قاد خط « أهون الشرّين » إلى تلاقٍ سياسي لمعارضين سياسيين شرسين في فترة 16 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1970- 18 آذار ( مارس ) 2011 مع السلطة وإلى انتقالهم عملياً خارج خندق المعارضة : تم الأخذ عند أنصار هذا الخط بدرجتي السلم التي تقاس فيها المراحل السياسية عند الماركسيين : « التناقض الرئيسي » و « التناقض الثانوي » . قال هؤلاء إن التركيز يجب أن يكون على « هزيمة الفاشية الإسلامية » ، باعتبارها « التناقض الرئيسي » للمرحلة ، بينما موضوع « دحر الديكتاتورية السياسية عند السلطة » هو « في مقام التناقض الثانوي » ويمكن تأجيله .

 عملياً ذهب هؤلاء إلى حلف غير معلن مع « الخط الأول » السلطوي ولكن ، واضح التلاقيات والتقاطعات معه . وإذا تفحصنا مجرى تحوّلات الرأي العام السوري في السنوات الخمس والنصف من عمر الأزمة يمكن القول إن خط « أهون الشرين » قد امتد إلى مستويات اجتماعية عدة خارج تخومي « الموالاة » و « المعارضة » : المتردّدون الذين لا يروق لهم حزب البعث والطاقم الحاكم ضمن الفئات الوسطى المدينية في دمشق وحلب وحمص واللاذقية ، النازحون من مدينة حلب ومن محافظة إدلب نحو الساحل الذين جربوا حكم الفصائل الإسلامية المعارضة المسلحة ، حيث يقارن هؤلاء بين وضعهم تحت الخيمتين هناك وهنا عندما لم يقدّم الإسلاميون في الأرض التي سيطروا عليها بمحافظات سورية عدة بديلاً أفضل من السلطة في طريقة التعامل مع المحكوم ولا في الخدمات الاجتماعية ولا في درجة الأمان الشخصي ولا في الفساد ، كما أنهم تدخلوا في قضية لا تتدخّل بها السلطة مسّت حرية المواطن في المشرب والزي وعادات التدخين ، وهو ما صدم حتى متديّنين سوريين غير إسلاميين وهم غالبية اجتماعية .

منذ تفجيرات باريس التي تبنّاها « داعش » ، يوم الجمعة 13 تشرين الثاني ( نوفمبر )  2015 ، دخل الغرب الأميركي- الأوروبي في خط « أهون الشرين » في النظر إلى الأزمة السورية ، وخصوصاً حين لمس من التحقيقات أن فتيل تفجيرات باريس « وبعد أربعة أشهر في بروكسل » يبدأ من الرقة : كانت واشنطن سابقة لباريس في ذلك عملياً منذ القرار الدولي 2170 في 15 آب ( أغسطس ) 2014 الذي شرعن حرب التحالف الدولي على « داعش » و « النصرة » ، وعملياً كان فرانسوا هولاند آخر المتشدّدين الغربيين في المسألة السورية وآخر الملتحقين بخط « أهون الشرّين » . دونالد ترامب ليس فقط من نظرية « أهون الشرين » بل يتلاقى مع فلاديمير بوتين في النظر إلى الإسلاميين بوصفهم في موضع « التناقض الرئيسي » .

عند الشيوعيين الجزائريين والليبراليين العلمانيين وعند فرانكوفونيين وأيضاً لدى الحركة الأمازيغية البربرية : « التجمُّع من أجل الثقافة والديموقراطية » بقيادة سعيد سعدي ، كان خط « أهون الشرين » ، وعلى الأرجح منظور « التناقض الرئيسي » ، وراء وقوف كل هؤلاء مع انقلاب الجنرال خالد نزار في 11 كانون الثاني ( يناير ) 1992 الذي أوقف فيه العسكر مسار الانتخابات البرلمانية بجولتها الثانية بعد فوز « الجبهة الإسلامية للإنقاذ » بغالبية كاسحة من المقاعد المتنافس عليها ( 188 مقابل 25 لجبهة القوى الاشتراكية بزعامة حسين آيت أحمد و16 مقعداً لحزب جبهة التحرير بقيادة عبدالحميد المهري ) في الجولة الأولى ، وما كانت تقوله المؤشرات عن فوز الإسلاميين بالجولة الثانية بغالبية مقاعد البرلمان البالغة 430 مقعداً .

سكت كل هؤلاء وتواطأوا مع ديكتاتورية العسكر ومذابحهم ، وأيضاً إسدالهم الستار على الديموقراطية ودفنها ، من خلال نظرية « أهون الشرين » و « التناقض الرئيسي » . مارس الشيوعيون التونسيون والليبراليون الشيء ذاته ضد إسلاميي « حركة النهضة » بزعامة راشد الغنوشي منذ عام 1991 في وقوف من سبقهم مع نظام زين العابدين بن علي ، وهو ما فعله أيضاً حزب الوفد الليبرالي في مصر وكذلك « حزب التجمُّع » اليساري الماركسي في وقوفهما مع نظام الرئيس حسني مبارك ضد الإسلاميين بطبيعتهم الإخوانية والجهادية منذ التسعينات وحتى انتخابات 2010 قبل شهر ونصف من ثورة 25 كانون الثاني  2011 .

لم يظهر « الخط الثالث » في البلدان الثلاثة سوى عند حسين آيت أحمد وعبدالحميد المهري حين عقدا مع « الجبهة الإسلامية للإنقاذ » اتفاق « عقد روما » ، الذي رعته منظمة سانت ايجيديو الكاثوليكية في الشهر الأول من عام 1995، ولكن ، انتهى هذا الخط إلى الفشل وسط قعقعة السلاح عند متطرفي العسكر ومتطرفي الإسلاميين الذين عامت « الجماعة الإسلامية المسلحة » عندهم على حساب « الجبهة الإسلامية للإنقاذ » في مرحلة ما بعد وقف المسار الانتخابي تحت شعار : « لا يفل الحديد إلا الحديد » أمام تطرف العسكر المدعومين من اليساريين والعلمانيين وأنصار الحركة الأمازيغية الذين وضعوا عصابة على أعينهم لكي لا يروا ما يفعل العسكر بالإسلاميين تحت القناع النظري : « أهون الشرين » و « التناقض الرئيسي » ، في مجابهة ذهب ضحيتها خلال عشرية من السنين ما بين 100 و150 ألف جزائري .

في آب ( أغسطس ) 1937 ألقى ماوتسي تونغ محاضرة أمام كوادر الحزب الشيوعي الصيني تحت عنوان : « في التناقض » ، لكي يفسّر التحالف مع الخصم الصيني : « حزب الكومينتانغ » ، الذي كان قد ذبح الشيوعيين قبل عشرة أعوام في شنغهاي وهو موضوع رواية أندريه مالرو : « الوضع البشري » ، ضد المحتل والغازي الياباني للأرض الصينية .

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945 بهزيمة اليابانيين عاد التناقض الأساسي أو الرئيسي ليظهر مع حزب الكومينتانغ حتى سيطرة الشيوعيين على كامل البر الصيني ونزوح مهزومي الكومينتانغ إلى جزيرة تايوان في 1 تشرين الأول ( اكتوبر )  1949 .

في آب ( أغسطس ) 1917 تحالف بلاشفة حزب لينين مع حكومة كرنسكي ، التي سجنت قادة من البلاشفة ولاحقت لينين الذي لجأ للتخفي في الشهر السابق ، ضد عصيان الجنرال كورنيلوف الذي أراد إطاحة كرنسكي وإعادة الحكم القيصري . بعد شهرين أطاح لينين كرنسكي بعد أن اجتمعا ضد ذلك الجنرال وهزماه . يمكن من خلال منظار « التناقض الرئيسي » و « التناقض الثانوي » تفسير المعاهدة النازية- السوفياتية عام 1939عند ستالين ، خصوصاً بعد أن أحس بتراخي الغرب البريطاني- الفرنسي أمام هتلر في مؤتمر ميونيخ عام 1938 وتضحيته بتشيكوسلوفاكيا من أجل إبعاد هتلر عن الغرب ودفعه شرقاً للتواجه مع موسكو .

كان تلاقي ستالين مع تشرشل وروزفلت بعد الهجوم الألماني على الاتحاد السوفياتي عام 1941 من خلال « التناقض الرئيسي » . ولم يكن الزعيم السوفياتي ليونيد بريجنيف بعد عام 1972 مرتاحاً لتحالف الشيوعيين الفرنسيين بزعامة جورج مارشيه مع الحزب الاشتراكي بقيادة فرانسوا ميتران ضد الديغوليين لأنه كان يرى التناقض الرئيس ليس من خلال اليسار واليمين بل من خلال الموقف من حلف الأطلسي ، حيث كان ميتران ميالاً للعودة إلى الانتظام فيه بعد أن جمد الجنرال ديغول العضوية الفرنسية في الجناح العسكري للحلف في عام  1966.

ليس التناقض الرئيسي ، في الأزمة السورية ، كمنظار ، بعيداً من الخطوط السياسية : « الخط الثاني » : خط الائتلاف وقبله المجلس ومعهما المسلحون الإسلاميون : التناقض الرئيسي ضد السلطة ، « الخط الثالث » : التناقض الرئيس هو الانتقال من الأزمة إلى نظام سياسي جديد متجاوز لأوضاع ما قبل 18 آذار ( مارس ) 2011 ، « خط أهون الشرين » : التناقض الرئيسي ليس مع السلطة بل يبدو ثانوياً أمام التناقض مع الإسلاميين .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى