تـعـبـئـة الإرهـاب فـي الـقـرن 21 .. سـوريـة مـثـالاً .. بقلم ممدوح الطباع ..
|| Midline-news || – الوسط – خاص ..
يُعتبر الإرهاب ظاهرة نابعة من ذات الإنسان حيث عرفتها مجتمعات إنسانية عديدة منذ القدم ، ولا تزال مستمرة حتى عصرنا هذا من خلال ممارسات الأفراد والأمم والدول . ولم يقتصر الإرهاب على جماعة أو منطقة معينة من العالم ، وكذلك لم يقتصر على شعب من ديانة معينة ، بل امتد إلى مختلف الشعوب ومختلف الأديان ، اليهودية ، المسيحية ، الإسلام ، الهندوس ، وغيرها .
ارتبط تطور مصطلح الإرهاب بأوروبا ، والذي يمكن أن يُعّرف : بأنه كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به ، أياً كانت بواعثه أو أغراضه ، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم وأمنهم للخطر ، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة أو احتلالها أو الاستيلاء عليها ، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر ، وهو عنفٌ منظم ومتصل بقصد إيجاد حالة من التهديد العام الموجه إلي دولة أو جماعة سياسية , وتقوم به جماعة منظمة بقصد تحقيق أهداف سياسية .
ظهر الوجه الجديد للإرهاب لأول مرة منذ بدء الثورة الفرنسية ، عندما أصبح العنف السياسي لا يقتصر على الأفراد فقط بل يمتد إلى الطبقات الاجتماعية المهيمنة ومواقع السلطة . حيث بدأت المحاكم آنذاك بتنفيذ أحكام الإعدام بأبناء الطبقة الأرستقراطية من النبلاء إلى أن قُتل الملك لويس السادس عشر وزوجته المكلة ماري أنطوانيت في عام 1793 ، وبعد ذلك أصبح المصطلح مرتبطاً بحركات التمرد في دول العالم المختلفة .
وتفاقمت ظاهرة الإرهاب مع نشوء الدولة الوطنية حيث تبلورت فكرة السيادة المطلقة والميل إلى المركزية الشديدة . وظهرت جماعة ” كوكلوس كلان ” الأمريكية سنة 1865 ، حيث مارست الإرهاب على المواطنين السود والمتعاطفين معهم ، كما ظهرت منظمة ” الأرض والحرية ” الروسية سنة 1872 ومنظمة ” الإرداة الشعبية ” سنة 1879 وهي من أكثر المنظمات الإرهابية شراسةً وتوقفت عن نشاطها بعد الثورة البلشفية . بالإضافة إلى بعض الحركات الثورية مثل الحركة الأيرلندية من أجل الاستقلال سنة 1891 . وقد كان حادث اغتيال الأمير ” رودولف ” ولي عهد النمسا والذي ارتكبته مجموعة صربية إرهابية سبباً من أسباب قيام الحرب العالمية الأولى . كما دفع اغتيال كل من الملك ” ألكسندر “ملك يوغسلافيا و ” برافو ” وزير خارجية فرنسا في مرسيليا سنة 1934 عصبة الأمم لوضع أول لبنة تعاون دولي من أجل مكافحة الإرهاب بإبرام أول اتفاقية ( اتفاقية جنيف ) سنة 1937 . وفي الثلاثينيات دأب ” أودلف هتلر ” في ألمانيا و ” موسيليني ” في إيطاليا و ” ستالين ” في الاتحاد السوفييتي على استخدام الإرهاب لإخماد الحركات المناوئة لحكوماتهم .
فترة الحرب العالمية الثانية ..
صاحبت هذه الفترة تحولات جذرية في التكنولوجيا وابتكار أسلحة الردع الشامل مما شجع الكثير من المنظمات على ارتكاب أعمال إرهابية ، مثل الجيش الأحمر في ألمانيا الغربية والألوية الحمراء في إيطاليا ، حيث سعت المجموعتان إلى تخريب النظام السياسي والاقتصادي في بلديهما لإقامة نظام جديد .
أما حديثاً ، فكانت هجمات الحادي عشر من أيلول الإرهابية والتي نفذتها مجموعة إرهابية باستعمال طائرات مدنية لتصطدم ببرجي التجارة العالميَّيْن وتزهق أرواح الآلاف من المدنيين . هذه الهجمات حاكتها وخططت لها أيادي خفية لتوحي للجميع بأن الإسلام هو مصدر الإرهاب مع العلم أن تنظيم القاعدة هو تشكيل مدعوم من الولايات المتحدة تحديداً والدليل على ذلك هو عدم قتال القاعدة في إسرائيل وإنما يقتصر جهادها على العرب فقط ..!! ومن هنا ، اقترن الإرهاب العالمي في الأذهان بالتطرف الإسلامي وذلك ليس بمحض الصدفة ، وإنما هو تخطيط وَ سعي حثيث من قبل أطراف ودول لها أهداف من وراء ذلك ، علماً بأن جذور الإرهاب ومنظومته الفكرية قد ظهرت في الغرب . وتاريخ الدول الأوروبية مليء بأحداث الاحتلال واغتصاب الأراضي بل والإبادة الجماعية ، فأمريكا خير دليل على ذلك بعد إبادة الهنود الحمر والاستيلاء على أرضهم ، وبالتالي ، فهي دائماً تفتعل عدو خارجي لتغطي على مشاكلها الداخلية .
وما يحصل في فلسطين ليس ببعيد عن المشهد من تشريد شعب والاستيلاء على أرضه واستمرار آلة القتل الصهيوني بحصد أرواح آلاف الفلسطينيين . فلماذا لا نسمع عن تُهم الإرهاب تُلصق بهذه الدول ، وإنما فقط بالإسلام ..؟ .
هذا هو بالضبط ما سعت إليه الأطراف المستفيدة من تشويه صورة العرب والمسلمين وعلى رأسهم إسرائيل وأمريكا ، فقد باتت قضية جهاد الفصائل الفلسطينية أمراً يؤرق الاحتلال ، ومن هنا بدأت فكرة اتهام المسلمين بالإرهاب من أجل خلط الأوراق وتشويه الحقائق , واتهام فصائل المقاومة بالإرهاب , مع أنهم أصحاب حق سلبت أرضهم , وشردوا من ديارهم واستبيحت حرماتهم , فموضوع الحادي عشر من أيلول ذريعة فتحت الآفاق أمام من يستهدف الإسلام بدعوى أن قتل الأبرياء من وجهة نظر المسلمين هو جهاد .
في الوقت الراهن ..
تُشكل الأزمة السورية في الوقت الراهن حلقة رئيسية من حلقات ‘ الجهاد العالمي ‘ ، فالصراع الداخلي أخذ منحى الصراع المسلح ، وسرعان ما استدعيت دلالات دينية ومذهبية للصراع ، وتشكل خطاب ديني في المنطقة – يحظى بدعم بعض المؤسسات الدينية والحكومات – يدعو إلى الجهاد داخل سوريا لإسقاط النظام السوري المدعوم من روسيا و إيران وحزب الله اللبناني .
ولم يتوقف الخطابُ الجهادي عند حدود الداخل السوري ، أو حتى المنطقة العربية ، ولكنه امتد إلى دوائر أخرى عالمية ، ولقي هذا الخطاب رواجاً لدى العديد من الدول الأوروبية ، وهكذا اكتملت فكرة الجهاد العالمي مجدداً ( كما حدث سابقاً في أفغانستان والشيشان ) وأصبحت سورية محور اهتمام العالم .
ومن هنا ، قامت حكومات الدول الأوروبية بتسهيل سفر مقاتلين ممن يحملون جنسياتها إلى سوريا للقتال في سورية . حيث كشف مسؤولون أمريكيون في عام 2014 في أجهزة المخابرات ومكافحة الإرهاب بأن هناك أكثر من ألف إرهابي يتدفقون إلى سورية شهرياً .
تدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا يرجع لعدة عوامل :
- الدافع الديني : حيث ترتبط دوافع المقاتلين ‘ للجهاد ‘ في سوريا بجوانب دينية أكثر منها سياسية ، فهم يعتبرون أن القتال هناك يشكل فرصة مواتية لاختبار إيمانهم ، ومدى إخلاصهم للدين . ويأملون بإعادة إحياء الخلافة في دمشق كما كانت في السابق . كما أن بعض المقاتلين الأجانب يؤمنون بأنهم يمهدون السبيل لـ ” يوم القيامة ” . وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن المؤسسة الإعلامية لـ « جبهة النُصرة » تدعى ” المنارة البيضاء “- وفي ذلك إشارة إلى مئذنة جامع بني أمية الكبير في دمشق – تزعم أن النبي عيسى سينحدر منها لمحاربة المسيح الدجال والإسراع في موعد الحساب عند الله .
ويتداخل مع هذا الدافع بُعدان أساسيان هما :
- الأول : الفكرة السائدة عن الغرب لدى العديد من المقاتلين ، حيث يعتبرون أن الحضارة الغربية هي حضارة عنصرية تضطهد المسلمين ، وتمنعهم من إقامة شعائرهم الدينية ، فضلاً عن دعم بعض الدول الغربية لنظام الأسد.
- الثاني : يرتبط بالرؤية المذهبية للصراع ، حيث يُرجّح تسارع وتيرة تدفق الجهاديين السنّة إلى سورية إلى تدخل حزب الله اللبناني الشيعي والميليشيات العراقية وإيران ودعمهم لنظام الأسد، بالإضافة إلى تشدد العديد من القوى المقاتلة في صفوف المتمردين وتطرّفهم نحو السلفية التي تناهض الشيعة في أسس عقيدتها ، مما أدى إلى تنامي الفتاوى الدينية من قبل رجال الدين الذين دَعَوا علناً للذهاب من أجل القتال في سورية ، واستدعاء ثنائية السنة والشيعة في الصراع الدائر هناك .
- السهولة النسبية لوصول المقاتلين إلى سورية : فمعظم الأفراد يأتون إلى تركيا بالطائرة ومن هناك إلى سورية برّاً . وبالمقارنة مع أفغانستان أو اليمن مثلاً، تعتبر تركيا وجهة سياحية لا تثير الشبهات . كما أن الرحلات الجوية إلى تركيا – على الأقل من أوروبا – منخفضة السعر بشكل كبير ، ومعظم المسافرين لا يحتاجون إلى تأشيرات سفر . مما يسهل الأمر خصوصاً على الأفراد الذين قد لا يكونون مستعدين للمجازفة بالذهاب إلى مواقع أكثر عزلةً . كما أن سهولة العيش في بلد مثل سورية يشكل عاملاً مهماً للذهاب إليه للمشاركة في القتال بالمقارنة مع الجبال أو الصحاري في أفغانستان أو اليمن أو الصومال أو مالي .
- حملات التجنيد المتطورة التي تقوم بها الجماعات المتطرفة في سورية : والتي حصلت على خبرات كبيرة من تجارب سابقة في العراق وأفغانستان، وبالتالي لا تعتبر شبكات المقاتلين الأجانب اليوم بأنها تبدأ من الصفر . بل هي تنطلق من الجهود السابقة وتستمد طاقاتها من الحركات والمنظمات الأهلية المحلية القائمة أصلاً.
- التسهيلات التي يتم تقديمها عبر وسائل التواصل الاجتماعي : حيث تعتبر سورية أول حرب تمت تغطيتها على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي . ففي السابق كان يضطر الأفراد للبحث عن منتديات الجهاديين المحمية بكلمات السر من أجل الحصول على المعلومات حول الجماعات وأصحاب الأيديولوجيات ومناقشة الأمور بين الأقران من الناشطين الجهاديين على الإنترنت ، أما الآن، بات من الأسهل أكثر الدخول إلى مواقع الإنترنت من خلال تويتر وفيسبوك . وهي أنظمة مفتوحة نسبياً على الانترنت ، ففي حالة تويتر يمكن للجماعات أن تستهدف جماهير معينة من خلال ” الهاش تاغ ” ، مع احتمال تعريض أولئك الذين قد لا يكونوا قد تعرضوا سابقاً لأفكار وخطط الحركة الجهادية العالمية . ويقدم كل من تويتر والفيسبوك ، عن غير قصد ، توصيات لغيرهم من الأفراد الذين يتبنون الفكر ذاته، مما يجعل من السهل نسبياً العثور على هذه الجماعات من خلال الخوارزميات المبنية عليها .
- العنف الجاري في سورية : هو أحد أهم العوامل المحفزة للعديد من المقاتلين الأجانب – حيث يُنسب هذا العنف من وجهة نظرهم إلى نظام الأسد . كما أن كون نظام الأسد علوياً لا يساعد على ‘ جعل الأمور أقل خطورة ‘ حيث ينظر إليه على أنه طائفة منشقة داخل الإسلام . ويجري مساعدة هذا التحرك من قبل الحكومة الإيرانية وحزب الله في لبنان ، وعدد من رجال الميليشيات الشيعية العراقية . كما أن صور العنف تثير مشاعر عميقة بالرغبة في المساعدة لا سيما أن الردود على هذا العنف محدودة – سواء من قبل الحكومات الغربية أو الأنظمة العربية . ويشعر الكثير ‘ من المتطوعين ‘ بأنه تضامناً مع إخوانهم السنة في سوريا فمن الواجب عليهم المساعدة ومحاربة نظام الأسد .
- ضربات قوات التحالف : الضربات الجوية التي قامت بها قوات التحالف ضد داعش ساهمت في إثارة غضبهم ، مما دفعهم إلى التدفق بشكل أكبر للقتال ضد التحالف وخصوصاً الولايات المتحدة .
- تسهيل سفر الإرهابيين إلى سورية : ولعلّ الدول الغربية كانت عاجزة حتى الآن عن تحقيق أهدافها فعملت على تسهيل سفر الإرهابيين إلى سورية في سعيها لتحقيق أهدافها في الشرق الأوسط. وهذا يأتي ضمن مسعى تقسيم سورية وإسقاط الدولة السورية، وبما يسمح للتدخل الأمريكي الغربي والإسرائيلي في شؤون منطقة الشرق الأوسط والاستحواذ على مقدراتها من النفط والثروات الأخرى وتحقيق أمن واستقرار إسرائيل على حساب أمن دول المنطقة وشعوبها.
- دعم المجموعات الإرهابية المسلحة في سورية : بالإضافة إلى تسهيل تدفق المقاتلين الأجانب ، عملت عديد من الحكومات الغربية على دعم المجموعات الإرهابية المسلحة في سورية (داعش) ، وقامت أيضاً بتمويل الإرهابيين بشكل غير مباشر من خلال أموال الفدية التي تدفعها مقابل تحرير أوروبيين مختطفين لدى هذه المجموعات ، إلى أن باتت هذه الأموال تملأ خزائن المجموعات الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة الإرهابي . وبالتالي أصبح خطف الأوروبيين من الأعمال التجارية العالمية المربحة لهؤلاء من أجل تمويل عملياتهم في جميع أنحاء العالم . وهذا يؤكد بأن الدول الغربية التي تدعم داعش في سورية لا تفوت فرصة لتقديم المزيد من هذا الدعم للإرهابيين من وراء الكواليس تحت أي ذريعة كانت وأكبر دليل على ذلك الجمعيات الأجنبية والعربية التي تزعم بأنها تجمع التبرعات الإنسانية لكنها في الحقيقة تقوم بجمع ملايين الدولارات لدعم الإرهابيين وجرائمهم . وقد انتشرت ظاهرة التبرعات الإرهابية منذ بداية الأزمة في سوريا وازدادت بشكل خطير عبر شبكات تمويل سرية موجودة في عدة دول تقوم بجمع الأموال عبر شبكات التواصل الاجتماعي وتقدمها للمجموعات الإرهابية المتطرفة في سورية التي ترتكب أبشع الجرائم بحق السوريين .
أضحت ظاهرة الجهاديين الأوروبيين الذين يسافرون للقتال في سورية تثير قلق الدول الأوروبية بشكل متزايد خوفاً من عمليات إرهابية قد ينفذها هؤلاء بعد عودتهم إلى بلادهم من خلال تشكيل شبكات جهادية داخلية تتواصل فيما بينها بشكل أكثر تنظيماً (قنابل داعشية موقوتة) .
وهناك احتمال بأن تكون الجماعات القتالية الخارجة من سورية أسوأ بكثير من تلك التي خرجت من أفغانستان في التسعينيات وذلك لعدة عوامل :
- الشبكات الناضجة : كما قلنا من قبل بأنه لا يتم إنشاء هذه الشبكات الأجنبية المقاتلة من الصفر. ولا يحتاج الأفراد إلى تأسيس حركات ناشئة عند عودتهم إلى بلادهم نظراً لوجود العديد من هذه الحركات القائمة أصلاً ولا سيما في العالم العربي وأوروبا الغربية.
- أعمال التمرد الأخرى : يمكن لبعض المقاتلين أن يعودوا ببساطة إلى أوطانهم ليواصلوا القتال في النزاعات الناشبة بالفعل هناك عوضاً عن محاولة إطلاق شرارة نزاعات جديدة.
- عدم وجود أطر قانونية : لا تزال بعض الحكومات، وخاصة في شمال أوروبا، حديثة العهد في إطار التعامل مع مشكلة الجهاديين العائدين إلى البلد. ونتيجةً لذلك، يوجد عوائق قانونية محدودة لردع أو معاقبة الأفراد الذي يلتحقون بالكيانات الإرهابية. وهذا يمنحهم القدرة على التجنيد أو الإرشاد إلى معتقداتهم بِحُرية عند عودتهم إلى بلدانهم استناداً إلى رواياتهم الحربية الجديدة “المشوقة”.
- وجود محاربين قدامى متمرسين فعلاً في القتال : في حين انضم الكثيرون إلى الجهاد الأفغاني ضد الاتحاد السوفييتي في الثمانينات، إلا أن العديد من الملتحقين لم ينخرطوا فعلياً في المعارك أو لم يخضعوا سوى لتدريب سطحي. ولم يذهب بعض من أولئك المقاتلين الأجانب سوى إلى بيشاور في باكستان ليكونوا جزءاً من الثقافة الفرعية أو سافروا عبر الحدود إلى أفغانستان بعد فترة قصيرة لالتقاط الصور وهم يحملون الأسلحة دون مشاركتهم في أي عمليات قتالية حقيقية. وعلى عكس ما يحصل في سوريا، فقد تم تدريب عدد كبير من الأفراد – الذين ذهبوا إلى سوريا وعادوا منها – على الأسلحة الخفيفة وصنع القنابل ومهارات فتاكة أخرى.
ويتهم الأوروبيون تركيا بعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع المقاتلين من العبور عبر أراضيها ،حيث تحولت تركيا منذ بداية الأزمة السورية إلى محطة عبور مهمة للراغبين في الذهاب إلى سورية تحت مسمى ‘ الجهاد ’ . ونشرت منظمة هيومن رايتس واتش تقريراً في عام 2013 انتقدت فيه السلطات التركية واتهمتها بالسماح للمقاتلين بالسفر إلى سوريا وكذلك نقل المال والسلاح عبر أراضيها. وبالتالي ، يشكل الجهاديون الأجانب خطراً على العالم أجمع ، فهم يأتون إلى سورية من أجل المشاركة في الحرب وينغمسون في أيديولوجيا متطرفة ، بالإضافة إلى تلقيهم تدريبات قتالية ، وعندما تنتهي الحرب سيعود هؤلاء إلى بلدانهم وسيشكلون تهديداً كبيراً للعالم .
وهذا ما يُفسّر اتخاذ بريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول غربية أخرى إجراءات مشددة للحد من تدفق المقاتلين ” الإرهابيين” المتوجهين إلى سورية ، حيث قامت باحتجاز جوازات سفرهم وأقرّت قوانين جديدة لمكافحة الإرهاب تستهدف كل من يُشتبه بأمره ، وإغلاق بعض المواقع الإلكترونية التي تُستخدم في الترويج للأفكار الجهادية ، إلى جانب تصعيد عمليات المتابعة والتوقيف . وكذلك بدأت تركيا مؤخراً بتشديد الضوابط الحدودية واجتثاث الشبكات الإسلامية التي تمرر المقاتلين .
يعلم الغرب مدى خطورة وجود هؤلاء المسلحين ومدى تدريباتهم العسكرية التي يتلقونها من أجل القتال في سورية ، لذلك هم يعلمون مدى خطورتهم عند عودتهم إلى بلادهم . نشر المركز الدولي في لندن تقريراً حول التطرف بيّن فيه بأن نسبة الوجود الأوروبي من إجمالي عدد المسلحين الموجود في سورية بين 7 إلى 11% ، وهذا دليل على أن ما تتعرض له سورية هي هجمة عالمية ، وهي حرب كونية تُشن الآن على سورية لإنهاء محور المقاومة والممانعة في الوطن العربي لخدمة عدو واحد هو إسرائيل .
أدى النزاع السوري إلى قيام موجة تعبئة للمقاتلين الأجانب لا تحدث سوى مرة واحدة في كل جيل ، على نحو مماثل لما حدث في أفغانستان في الثمانينات ، إنما على نطاق أوسع بكثير . وتدل الطبيعة المتطورة لهذه الشبكات وازدياد عدد الأفراد المتورطين في هذه الأنشطة إلى أن الجيل الجديد من الجهاديين المتمرسين في المعارك سيحاولون الإخلال بالاستقرار أو التخريب أو التخطيط للاعتداءات الإرهابية في العالم العربي وأوروبا الغربية . ولا يمكن التنبؤ بالإطار الزمني وفاعلية هذه الأنشطة ، ولكنها مثيرة للقلق لصناع القرار .



