رأي

شيطان بلا أدوات تجميل .. غسان أديب المعلم ..

ما يجري الآن من تصعيد تركيّ في الشمال السوريّ، وربط هذا الأمر بالانتخابات التي ستجري بعد عام في تركيا واعتباره حركة هدفها كسب النقاط في سياق الحملة الانتخابيّة للرئيس رجب طيب أردوغان، في الحقيقة هو سبب صغير قد لا يُرى بالعين المجرّدة أمام السبب الأكبر المتمثل بالجينات الانكشاريّة التي تُورثها السلطات التركيّة لشعوبها جيلاً بعد جيل!.

وكما يقول المثل البريطاني: “يكون الكذب في القمّة عند الانتخابات كما في الأسبوع الأول من الزواج”..

فالموضوع أكبر من حدثٍ انتخابيّ، أو انقلابٍ في استطلاعات الرأي لهذا الفريق أو ذاك، أو تصدير أزمة اقتصاديّة داخليّة والخروج من مأزقها بالحرب، فمهما كان اسم الحزب الرابح والشخصيّة التي ستقود البلاد، فالموضوع لن يتعدّى الفرق بين شيطان بمكياج أو أخر بدونه.

وكذلك الأمر، فإنّ الموضوع يتجاوز استغلال الفرص السانحة التي أوجدتها تداعيات الحرب الروسيّة الأوكرانيّة، من انشغال الروسي الحليف المفترض لسوريا، واللعب على حبل الفيتو التركي على انضمام السويد وفنلندا إلى حلف شمال الأطلسي، مقابل المكاسب التي تريدها تركيا عبر العدوان والاحتلال والتوسّع تحت حجج واهيّة.

الحقيقة أن كلّ الحكومات التركيّة، يمينيّة كانت أم يساريّة، علمانيّة أو إسلاميّة، وكيفما كان تشكيلها، فهي ملزمة بمقررات الميثاق الوطني التركي الذي أقرّه البرلمان عام ١٩٢٠، أو كما يعرف باسم “الميثاق الملّي”، والذي بموجبه يكون من حقّ تركيا استعادة “أراضيها المزعومة” من منطقة كسب السوريّة مروراً بحلب حتى القامشلي إلى السليمانيّة ودهوك العراقيّة!!، وأنّ على جميع الحكومات المتعاقبة العمل على ذلك الأمر واستعادة الأراضي مهما كانت الظروف ومهما كانت الاتفاقيات، وهو مايفسّر الرقم المتداول الذي طرحته البيانات العسكريّة للحملة التركية بأنها تريد تحقيق الحزام الآمن بطول ٤٣٠ كم وعمق ٣٠ كم داخل الأراضي السوريّة!.

وما يخُيف في هذا الشأن، هو تشابه الظروف التي تُحيط بهذا العدوان بشكل دائم مع اختلاف الأسماء فقط، فالعدوان التركيّ الجديد في الآونة الأخيرة وأقصد إبان الأزمة في سوريا سيكون العدوان الرابع “عسكريّاً”، وفي كلّ عدوان كانت تركيا تتّخذ اسماً برّاقاً للعمليّة مثل ( غصن الزيتون، نبع السلام، الدرع ) وتأخذ أمريكا موقفاً ضدّ هذا العدوان!، وتكون النتيجة هي احتلال المزيد من الأراضي بالفعل.

واليوم .. يتكرّر ذات السيناريو المرسوم سلفاً، أمريكا تعارض الحملة العسكريّة التركيّة كما تدّعي، وتقول بأنها تقوّض عملية السلام في المنطقة بشكل عام!، فترسل أمريكا مندوبتها في الأمم المتحدة إلى الشمال السوري لتفقّد خط سير المساعدات الإنسانية المتجهة إلى الداخل السوري، وتتفقّد أيضاً اللاجئين السوريّين في تلك المناطق، وتحذّر تركيا من عدوانها، وكذلك الخطط المزعوم تنفيذها بنقل ثلاثة ملايين سوري إلى هذه المناطق بعد إقامة أبنية مسبقة الصنع لتكون جاهزة للإيواء!.

وكل ذلك مسرحيّة جديدة أبطالها الشياطين المُعتمدين المُعتادين!، فالحجّة بأنّ العمليّة العسكريّة تستهدف وحدات الحماية الكردية باطلة و واهية، والأمر برمّته أننا في جوار الشياطين من كلّ اتجاه، وأقصد الكيانين المارقين (إسرائيل وتركيا) ولو تجمّل أي منهما بأكاذيب وادعاءات بأن له حق في هذه الأرض تاريخيّاً، في حين لا يتعدّى وصفه كياناً طارئاً ودمّلاً خبيثاً في قلب هذا العالم..

وأخيراً.. الأمر الأكثر إيلاماً في إنقسام القوى السوريّة، بعد أن أضحت القوّة العسكريّة المسيطرة في الجزيرة والشمال السوريّ تتمتّع بمزايا الانفصال حتى هذه اللحظة، هو أن هذا الانقسام والابتعاد عن الأم الكبرى سيؤدّي لتقسيمها بالفعل، وقد تكون هذه المجموعات الانفصالية لا تدري، وربما بعضها يدري، بأنها ستكون أوّل الوجبات على مائدة الشيطان، وأنّ الجميع سيكون خاسراً بلا استثناء!

فهل من مؤمنٍ ورجل رشيد!؟..

*كاتب وروائي من سوريا – دمشق
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى