رأي

وعقدنا العزم أن تحيا سوريا .. غسان أديب المعلم ..

وعقدنا العزم أن تحيا سوريا ..

حزمت حقيبتي الصغيرة، وضممت روايتي التي انتهيت من قراءتها بالأمس وكانت بعنوان “ابتسامة فوق شفتيه”، ووجّهت وجهي شطر كراج “حمص – دمشق” وفي نيّتي أن أتجاوز الحدود المرسومة وأقاتل جنود الكيان الصهيوني الذين علقت صورتهم وهم يضربون المقاومين الفلسطينيّين بالحجارة على أياديهم، وكانت هذه الصور مخزّنة بذاكرتي مع انتفاضة الحجارة عام ١٩٨٧ وكان عمري حينها عشر سنوات فقط!

إلّا أنّ الصدمة الكبيرة التي حدثت أثناء العزم على السفر وجعلتني أتراجع، مقولة أحد أقربائي الذي أعطاني هذه الرواية”ابتسامة فوق شفتيه”:

“يا مجنون! لو تعرف بأنّ كاتب هذه الرواية “يوسف السباعي” قد تمّ اغتياله لأنّه كان يترأس لجنة التطبيع مع الكيان”!..

لم يتوقّف الأمر فقط عند هذه الصدمة التي دفعتني للقراءة والبحث أكثر وأكثر عبر نشرات الأخبار ومقالات الصحف والكتب المتنوّعة بتاريخنا وماضينا القريب وحاضرنا، لدرجة أنني قرأت خبراً بالتسعينيّات عن محاولة اغتيال “خالد مشعل” عبر تسميمه من قبل أجهزة الموساد ونقله إلى مشافي الأردن التي توسّط ملكها في حينه ليحصل على الترياق المضاد للسمّ التي تمتلكه إسرائيل وحدها، وهذا ما حصل فعلاً.

قرأت الخبر حينها على أنه خدعة ومناورة، ولم يشفع لـ “خالد مشعل” في قلبي كلّ ماقيل عنه بأنه مقاوم لأجل القضيّة، في حين أنّه مجرّد عميل في نظري، ليس هو فقط، بل وكثير ممن يقدّمون أنفسهم كمقاومين في ذات السياق.

وهكذا .. أمضيت حياتي في نبذ الآيدولوجيا، وكنت أقول عن فلسطين بأنها لا عربيّة ولا إسلاميّة، هي قضيّة سوريّة، مثلها مثل الجولان ولواء اسكندرون والجزيرة السورية، هي قضيّة إنسانيّة سوريّة بالدرجة الأولى، وكلّ محاولات ربطها بالدين والقوميّات ماهي إلّا تماهي “بقصدٍ أو بدونه” مع فقرة في دستور الكيان تصف سلطة الاحتلال بأنها دولة دينيّة يهوديّة.

مضيت أكثر ، ووصلت بالحجّة والدليل كما وصلت أغلب قناعات السوريّين إلى الحقيقة، أنّ أكثر الناطقين الزاعقين باسم القضيّة ليل نهار ماهم إلّا ثرثارين أو عملاء مأجورين، كما عرفت أن هنالك الكثير ممن رفعوا لواء التحرير وحق العودة ومقاومة المحتل ومنهم من تقلد حكومات وأعلى المناصب على امتداد الوطن العربي كانوا يلهثون خلف اتفاقيات الاستسلام والتطبيع، وبالتالي تكون النتائج في الأحداث على هذا النحو.

وما حدث مع الصحفيّة شيرين أبو عاقلة، حضرت النتيجة وأقصد الانقسام، هل نترحّم عليها أم لا؟، هل تُعتبر شهيدة أم عميلة؟، هل كانت مقاومة أم مُجنّدة تابعة لأجهزة المخابرات؟، والحقيقة أن أكثر مايؤلم في هذا الموضوع هو الانقسام، وكذلك الأمر الحجّج في الدفاع أو الهجوم في ذات السياق.

في شأن الهجوم: قيل أنّها تنعم بمالٍ ملوّث من القناة التي ساهمت بصبّ الزيت على النار في سوريا، ألا يعلم هؤلاء أنّ مال العالم بأسره ملوّث بطريقة غير مباشرة، وأنّ أغلب المساعدات الانسانيّة، وكذلك المنتجات والآلات وصولاً إلأى الرواتب تأتي عن طريق الأمم المتحدّة ومالكيها، وكذلك الأمر الدول التي تسرق حقوق الشعوب؟.

وألا يعلم هؤلاء بأنّ قناة ما “معوّمة” بالأساس سواء تدخّلت بذلك أم لم تتدخّل؟، والسؤال هنا: ألهذه الدرجة تعتقد بأنّ الشعب السوريّ على هذا القدر من الغباء ليشارك في الأمر وأقصد التعويم؟، ثمّ .. أين مشروعك الإعلاميّ البديل المناهض؟

أمّا في شأن الدفاع: فأمر موقف الضحيّة من شهداء سوريا لأجل القضيّة ولو بكلمة واحدة عبر منشور على منصّات التواصل كان منقوصاً؟، هل كانت القضيّة بالنسبة لها فلسطين وحدها والباقي “فخّار يكسّر بعضو” وأقصد أمّها الحقيقيّة سوريا؟، أم أنها اعتبرت وطنها الصغير هو الأولى والأجدى بالمساعدة وفضح أساليب الأعمال الإجراميّة الصهيونيّة بعملها الصحفيّ.

وذات الأمر ينطبق على موقف السوريّين من أيّ حربٍ في هذا الكون ويقولون بأنّ سوريا هي الأولى بالتفكير والموقف والبناء يبدأ من هنا؟.

لستُ في موقف الرماديّين بين الطرفين، وأمتلك شجاعة الاعتراف بـ “شهادة الموقف” مع “همسة عتب” لروحها وللجميع وتذكير بأنّ هنالك ملايين السوريّين الصامتين الذين لا حول لهم ولا قوّة سوى “قلوبهم” ومشاعرهم، التي لم ولن تتلوّث بالمال الحرام، و هُم أهل القضيّة، وأكثر السوريّين المُحبّين لسوريا الكبرى، وأكثر العاقدين على العزم لقيامة سوريا.

هؤلاء ممنّ يعلم الله مافي قلوبهم من ألم، ويعلم مايعانونه من قسوة غيرهم “ويعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور”.

هؤلاء أهل الشهادة والدمّ ممّا قدّموه من أرواحٍ وصبر، ومنهم الشهداء الأحياء ومن وقف معهم.

لأرواح شهداء الانسانيّة السلام، ولأرواح الصحفيّين الإنسانيّين السلام.

ولِمَن عزم في قلبه أن يحيا وطنه، السلام والإكرام.

ويبقى هامشٌ وحيد في هذه المسألة، وأقصد الشهادة والموقف، بأنّنا كسوريّين: لسنا بالخُبّ وليس الخُبّ يخدعنا.

تحيا سوريا .. وستحيا ..

*كاتب وروائي من سوريا – دمشق
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى