رئيس التحرير

بعد ست سنوات من ” المقتلة ” الـسورية ..” الـثـورة ” هـي الغائب الأكبر ..

طارق عجيب – رئيس التحرير ..
=================================================

لا يمكن لأحد أن ينكر أن موجبات القيام بثورة في سوريا حاضرة منذ منتصف القرن الماضي ، مثلها مثل كل دول عالمنا العربي ومنطقة الشرق الأوسط وغيرها من الدول في العالم الثاني والثالث التي تشبهنا ، وبعض دول العالم الأول ، لكن ومنذ بداية ” الحراك ” في سورية في 15 أذار 2011 ، كانت لدي قناعة أن ما يجري بعيد كل البعد عن ما يمكن أن يكون ثورة حقيقية .

كان واضحاً منذ البداية أن دوافع وروافع هذا الحراك تريد استثمار هذه الموجبات لإسقاط ” النظام ” ، لكن لأهداف مختلفة ومتناقضة مع أهداف شريحة من السوريبن الذين خرجوا إلى الشارع ودوافعهم نزيهة وصادقة وأهدافهم واضحة ومعلنة تتلخص بالمطالبة بإصلاحات واتخاذ قرارات تسهم في الانتقال إلى دولة بمعايير  تضمن الحقوق والحريات والواجبات الأساسية للمواطن والدولة تجاه بعضهما .

منذ الأيام الأولى للحراك توضحت وبسرعة خطط كلا الطرفين للتعامل مع الأزمة ومن ثم الخروج منها باكتساب أعلى نسبة ممكنة من النقاط .

الدولة السورية ولأنها كانت تعرف مسبقاً ما يُضمر ويخبئ هذا الحراك ، تمكنت بسهولة وبخطوات بسيطة ، يعتبرها الكثيرون دليلاً على تورط النظام بلعبة العنف .. وأنه من بدأ بذلك .. تمكنت من  إخراج شياطين الحراك وضباعها من الظل إلى العلن ، وسرٌعت بذلك .. وتمكنت أيضاً من إجبار مشغليه على الحضور بشكل مفضوح ومعلن ومباشر ..

وعاماً بعد عام .. كانت تتأكد قناعتي بأن ما جرى في 15 أذار لا يمكن أن يكون بداية ” ثورة ” ، بقدر ما هو خلق ذرائع لانطلاق حراك شعبي يستند إلى موجبات ، للأسف وفرتها وراكمتها أنظمة الحكم في سورية منذ عقود ، ومن ثم امتطاء وقيادة هذا الحراك ، واستثماره بالشكل الأقصى والأنسب لتحقيق مشاريع محددة تبدأ بإسقاط ” النظام ” في سورية ، وتنتهي بتمرير المشاريع التي كانت سوريا تقف عقبة كأداء في طريق تنفيذها ، إلا أن هذه المشاريع اصطدمت وتصارعت مع مشاريع أخرى مناهضة ومناقضة لها .. وهذا الصراع أفرز ايضاً مشاريع مرحلية دخلت في المشهد لتزيده تعقيداً ، وليصبح أكثر كارثية كلما مر عليه سنوات أكثر .

المعضلة الأهم تكمن في من خرجوا في بداية الحراك بدوافع مستقلة عن كل المشاريع ، ولأهداف وطنية منفصلة عن أي ارتباط بأي طرف خارجي ، وقدموا الدماء وخاطروا بأرواحهم ومستقبلهم وكل ما هو غال في سبيل تحقيق مطالب وإصلاحات ، والانتقال إلى دولة المواطنة ، الدولة المدنية الديمقراطية التعددية العلمانية .. هؤلاء كان وما زال من الصعب جداً إقناعهم أن ما حقيقة ما جرى لا يمثل ” الثورة ” التي أرادوها ، وأنهم كانوا مخطئين في قرارهم الاستمرار في ” ثورتهم ” ، لأنها لم ولن تمتلك من مقومات الحضور أو الانتصار سوى نواياهم الصادقة في مواجهة أطرافٍ جميعها تمتلك الكم الكبير من الدعم بكافة أشكاله ، لخوض حرب قذرة طويلة الأجل ، هؤلاء هم أول الضحايا على طريق التدمير الذي تتسابق عليه كل الأطراف ، ولا تلقي بالاً للنسب الكارثية لهذا التدمير طالما لديها هدفٌ ” أسمى ” ترى من واجبها  ” المقدس ” أن تحققه ، دون الأخذ في هذه المرحلة ، بعين الاعتبار لأي قيم أو حقوق أو قانون أو أخلاق أو إنسانية .

ورغم أن ” النظام السوري ” ومن يقف معه راكموا في معالجتهم للأزمة من الأخطاء ما زاد الطين بلة ، وكان هنالك مواطن ضعف وفساد في أساليب وأليات التعاطي مع مسارات الأزمة الميدانية والسياسية ، إلا أنني لن أقتنع أن كل ذلك ، مع الموجبات التي تدفع باتجاه قيام ثورة ، إن وضعناها في كفة ميزان ، وفي الكفة الأخرى الثمن الذي قدمناه كسوريا الدولة بكل مؤسساتها وبنيتها التحتية وإمكانياتها في كل القطاعات ومكانتها في المنطقة والعالم ، يضاف إلى ذلك الثمن الذي قدمناه كشعب من أبنائنا ودمنا وحاضرنا ومستقبلنا بكل مكوناتنا وتنوعنا واتجاهاتنا ، فلن تكون كفة الموجبات هي الراجحة ، بل سنجد أن كفة الثمن الذي دفعناه ولا زلنا ندفعه ، ولا نعرف متى يتوقف ذلك ، فاقت الثمن الحقيقي المطلوب بما لا يمكن تقديره أو احتسابه أو تعويضه .

لن أقتنع أن هناك ” ثائر ” يقبل ان تُدمر سوريا بكل تفاصيلها ومعانيها وتاريخها وإرثها ومستقبلها ويصبح وجودها مهدداً إلى أقصى درجات التهديد ، بذريعة وجود ” نظام ” يستحق الثورة عليه .. لترتكب ثورته في سبيل الإطاحة بهذا ” النظام ” بحق بلده ما فاق ارتكابات النظام بألاف المرات .

لن أقتنع أن ” ثورة ” ترضى عنها وتدعمها أميركا وإسرائيل وتركيا وأوروبا والسعودية وقطر .. هي ” ثورة ” ستنقل سوريا إلى دولة ذات سيادة ، وحرة وقوية ، إلى دولة مؤسسات ، ودولة تعددية ديمقراطية وعلمانية ، وهو ما يمثل الخطر الأكبر على كل داعمي هذه الثورة .

لن أقتنع أن هناك ” ثائر ” حقيقي وصادق ، مستعد للتحالف مع كل ضباع الأرض ومشغليهم ، وهو يعلم أنه لن يصل معهم الى أهدافه ، بل سيكون سنداً لهم في تحقيق غاياتهم ، وسيكون دوره محصوراً كمساعدٍ بقصد أو عن غير قصد في ” المقتلة والمجزرة ” السورية للدولة والشعب .

لن أقتنع أن النظام السوري هو شيطان الكرة الأرضية والباقي ملائكة الرحمن الذين كلفهم الله بمحاربته.

أعيد وأكرر .. موجبات القيام بثورة في سوريا حاضرة منذ منتصف القرن الماضي ،  لكن مما لا شك فيه أيضاً ، أن الظروف الإقليمية والدولية إضافة إلى الظروف الداخلية لم تكن حاضرة أو ناضجة للانطلاق ” بالثورة المنشودة ” ، وهو ما جعل من هذا الحراك ، وممن تخيلوا ان الظروف مؤاتية ” للثورة ” ، جعل منهم مجرد ” عتبات ” لعبور أصحاب المشاريع الهدَّامة لسوريا وشعبها ، وتلك المشاريع المناهضة لها والمتصارعة معها ، على أهدافٍ ومصالح ومكاسب واستراتيجيات بعيدة كل البعد عن ما يهدف إليه ” ثوار ” سوريا .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى