رأي

المؤمن لا يُلدغ من جُحرٍ مرّتين .. غسان أديب المعلم ..

المؤمن لا يُلدغ من جُحرٍ مرّتين ..

 

لا عداوة دائمة في السياسة، وعدوّ الأمس قد يغدو صديق اليوم، والتاريخ حافلٌ بمثل هذه التداعيات والانقلابات في المواقف والاصطفافات، حتى لو خالفت المزاج الشعبيّ وآراء العموم في وجهات النظر.

إلّا أنّه وفي الحالة أو الموقف بين سوريا وتركيا، ثمّة مايُشابه حالة العداء والموقف بين سوريا والكيان الصهيونيّ، وقد تتجاوز الحالة التركيّة حالة الكيان بأشواط.

قد يكون العامل الجغرافي واتساع الرقع المسلوبة والمنهوبة والمُحتلّة مع تركيا أكثر وأكبر ممّا هو عليه مع الكيان، والأهم الحالة الفكريّة التي أعتبرها كما الكثير من السوريّين بأنها أقسى وأصعب من الحالة العسكريّة، من حيث “تسلّل” الآيدولوجيا التركيّة في المناطق المُحتلّة من قبلها عبر بوّابة الدين الإسلامي، ممّا هو عليه من التحفّظ من الجهة المقابلة.

وفي معرض الأحداث، فقد كُسر الجليد بين البلدين “دبلوماسيّاً” عبر لقاءٍ عابرٍ بين وزيري خارجيّة البلدين على هامش مؤتمر دول عدم الانحياز.. والذي كان مُخطّطاً له على مايبدو ومرتّباً إثر اللقاء الثنائيّ التركيّ الروسيّ الأخير، أو الاجتماع الثلاثيّ في طهران..

كما تم تداول أخبار تبادل الأفكار والآراء على المستوى الأمنيّ بين قادة هذا المستوى في البلدين، لوجود ملفّات مشتركة تستدعي التنسيق، وخصوصاً بعد تأهّب تركيا وعزمها على إنشاء منطقةٍ عازلة تقيها بحسب ماتدّعي من إرهاب وهجمات حزب العمال الكردستانيّ!

وأعود للحالة الفكريّة بعد ردود الأفعال الأوليّة من قبل الطرفين أو كلا النقيضين، فمن تُسمّي ذاتها بالمعارضة، والتي تتواجد بمعظمها في تركيا، أبدت أسفها لهذا اللقاء الذي اعتبرته بمثابة طعنة من حيث الاعتراف الدبلوماسيّ بالسلطة السوريّة أو النظام السوريّ كما يصفون.

أمّا على الجانب الآخر، فأبواق السلطة أطلقت العنان بمتابعة العنجهيّة وفرض الرأي، الذي يعتبرونه تتمّة أو على رأس تلّة الانتصارات التي يكتنزونها، رغم أن تدقيقاً صغيراً في تصريحات وزير الخارجية التركيّ، مع استذكارٍ طفيف للعلاقات وما تخلّلها من تراكمات وأحداث، يعرف ويدرك تماماً بأن الأمر مجرّد مراوغة مُستحدثة، ليست بذلك البُعد عن سياسة الثعالب “صفر مشاكل”.

فالوزير التركي قال بالحرف: يجب أن نسعى للمصالحة بين النظام والمعارضة، وإلّا فلن يكون هناك سلام، وأضاف: يجب أن نمتلك الإرادة أو لدينا إرادة لمنع التقسيم في سوريا أو أن نراها مُقسّمة.

فما هي المصالحة التي يسعى لها الجانب التركي، وماهي الصفقة التي مُرّرت من تحت طاولة المفاوضات لوقف العمليّة العسكريّة التركيّة في الشمال، والإملاء والإدلاء بإتجاه التصالح و “تبويس الشوارب”.

مصالحة مع من؟..

مع مكوّن مُصطنع تحت اسم سلطة شرعيّة بديلة مُقيمة في اسطنبول تذهب بأكملها لزيارة مدينة سوريّة محتلّة لتبارك لأبو محمد الجولاني بعيد الأضحى؟، ومن ثمّ تستمع لتوجيهاته وطموحاته ومقرّراته على أنّه مُنقذ البلاد ومخلّصها، والذي يُعتبر وبعُرف الحليف الاستراتيجيّ الأكبر لتركيا، أي الولايات المتحدة الأمريكية، يُعتبر بنظرها مع االفصائل التي تبايعه وتدعمه كاملةً “حركة إرهابيّة”..؟

وهل من يسعى للصُلح أو إقامة السلام أو التصالح بين من يدعمه وبين عدوّه، يفرض الآيدولوجيا في تلك المناطق وصولاً لوضع العلم التُركي على جلاءات الأطفال الصغار السوريّين المولودين في تلك المناطق، أو المُهجّرين طواعيةً وقسراً إليها، مع فرض اللغة التركية، وكذلك الأسماء، وكذلك الجندرما، وكذلك القانون، والعُملة، وغيره الكثير الكثير في سابقةٍ تُشابه مافعلته تركيا في اللواء السليب؟.

وفوق ذلك، أليست تلك الوجوه التي تُطلق على نفسها كما المُجتمع الدولي المُنحاز اسم “مُعارضة” هي ذات الوجوه التي تجلس مع السُلطة وجهاً لوجه في جنيف، وتتحاور معه لكتابة دستور جديد للبلاد، وبعد مرور ثلاث سنوات، لم يتم التوصّل بينهما إلّا لأبعاد وشكل وألوان العلم السوريّ؟.

ألا يعني ذلك المزيد من المماطلة والتسويف وإضاعة الوقت عبر استحداث مكانٍ جديد غير (جنيف و الآستانة) ليكون مضافةً لمفاوضات الصُلح الجديد، وهكذا دواليك من الاجتماعات لعدّة سنوات، يكون فيها ذلك الطفل السوريّ الذي استلم الجلاء المدرسيّ في ريعان شبابه بقالبٍ تركيّ!!.

والأهم، امتلاك العدوّ للإرادة، والسعي لعدم تقسيم سوريا، بينما “السكّين” الأولى المُستخدمة في النحر والتقطيع صناعة تركيّة!

أمّا على المقلب الآخر، وأولئك الذين ينظرون وينظّرون لاصطياد سمكة سردين صغيرة عند شواطئ استراليا على أنّها انتصار للمحور، وسحق الأعداء أكثر، ألم يمرّ على أذهانكم يوماً مصطلح “الاتفاق الملّي”؟، ألا تتذكّرون التاريخ؟، ألا تعلمون بأنّ قوّة تفاوض أيّ دولة ينبع من قوّة المواطن أوّلاً وثانياً وعاشراً!!

لسنا ضدّ السلام، أو نعشق إراقة الدماء والعداء الدائم، لكن هناك حقوق ومبادئ لا يمكن أو تُمكّن أي سوريّ للتفريط أو المساومة أو التفاوض عليها.

تركيا تسعى لمصالحها وميثاقها ورغباتها العلنيّة والباطنيّة، وهذا أمرٌ يعنيها وشأنها، لكن هل انتبه هؤلاء وغيرهم إلى الشعب السوريّ سواءً في الداخل أو المُهجّر قسراً والمسلوب القرار من قبل المنصّات المُصطنعة إلى ما يُعانيه من تقسيم في كيانه السوريّ، إلى ضرب مبادئه، ونسف هويّته، وسلب إرادته، وقولبة أفكاره صوب السعي إلى كسرة الخبز لا أكثر.

قبل المفاوضات مع تركيا، أو بالموازاة، كان على السلطة مدّ الأيادي للشعب المكلوم، هنا المُعارضة الحقيقيّة، ومن هنا يكون الحجر الأساس الذي يُعطي القوّة في أيّ تفاوض، فلا بناء أو تقدّم إلّا عبر مُعارضة حقيقيّة، ولا يُمكن لجسدٍ مريض من الداخل على رفع قشّة في العالم الخارجيّ.

سوريا من الداخل خيرٌ وأبقى ..

في النهاية، تذكير بأحد أهم معاني العمل السياسيّ الأمريكي الذي تنتهجه أمريكا ومن يصطفّ معها حليفاً:

السياسة أن تداعب الكلب على رأسه، ريثما تصل لأقرب حجر، ومن ثمّ تضربه على رأسه ..

نحن سوريون وسنبقى، ونعدّ لكم الحجر؟، لكن .. هل يُلدغ المؤمن من ذات الجُحر مرتين؟.

 

*كاتب وروائي من سوريا – دمشق
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
أهم الأخبار ..
‏"تويتر" تحقق رغبة إيلون ماسك وتتحول إلى شبيه "تيك توك" بعد إضافة ميزات جديدة للفيديوهات.. وزارة الخزانة الأميركية تعلن "فرض عقوبات على 10 كيانات وناقلة نفط من الصين وإيران والهند والإمارات".. " بي بي سي" تسرح مئات الموظفين وتوقف بث الإذاعة العربية والفارسية.. بايدن رافضا استفتاءات بوتين في أوكرانيا: لن نعترف بها أبدا.. بوتين: عالم أكثر عدلا يتشكل أمام أعيننا وما يحصل بين روسيا وأوكرانيا من نتائج انهيار الاتحاد السوفياتي.. نائبة الرئيس الأمريكي ​كامالا هاريس: المخاوف من الحرب بين الكوريتين ما زالت قائمة ومستعدون للدفاع عن كوريا الجنوبية.. وزير المال الألماني كريستيان لندر: برلين تعيش "حرب طاقة" مع روسيا.. حزب البديل لأجل ألمانيا "يمين متطرف"، يحقق قفزة كبيرة في استطلاعات الرأي في ولاية براندنبورج الألمانية المجاورة لبرلين.. بوتين: الغرب مستعد لتعريض أي بلد للخطر وتحويله إلى بؤرة أزمات وإثارة ثورات ملونة ومجازر دموية.. كوريا الشمالية تطلق صاروخين باليستيين عقب مغادرة نائبة بايدن جارتها الجنوبية.. انهيار المرافق الطبية.. فيضانات وانقطاع للكهرباء.. آثار كارثية لإعصار إيان على ولاية فلوريدا الأمريكية.. مجلس النواب اللبناني يخفق في انتخاب رئيس جديد للجمهورية في جلسته الأولى.. زيلينسكي يعقد اجتماعا طارئا لمجلس "الأمن القومي" في أوكرانيا الجمعة.. الكرملين: الرئيس بوتين سيشارك في مراسم توقيع اتفاقيات انضمام مناطق جديدة إلى روسيا غداً وسيلقي خطاباً مهماً رصد تسرّب للغاز من موقع رابع في أنبوب نورد ستريم في بحر البلطيق السويد: مجلس الأمن الدولي سيجتمع الجمعة بناء على طلب روسيا لبحث تسرب الغاز من نورد ستريم .. الرئيس الأسد يطلق المرحلة الأولى من تشغيل مشروع الطاقة الكهروضوئية في مدينة عدرا الصناعية.. لليوم الثاني.. سقوط صواريخ بالقرب من المنطقة الخضراء بالعاصمة العراقية بغداد.. مقتل 30 شخصا جراء قصف أوكراني لقافلة من اللاجئين في طريقهم إلى الحدود الروسية.. السفير الروسي في واشنطن أناتولي أنطونوف: أمريكا تدفع نحو مواجهة مباشرة بين القوى النووية بعواقب لا يمكن التنبؤ بها..