رأي

القائد الملهم بالكسر لا النصب .. بشار جرار – واشنطن ..

القائد الملهم بالكسر لا النصب ..

على غرار بعض الروائيات وحتى الوثائقيات، لا تعني هذه المقالة أحدا لكنها تحاكي الحاضر والماضي القريب والبعيد في مشرقنا المكلوم.

لأننا كبشر مازال حالنا في دنيانا حال الخراف التي لا غنى لها عن راعي، حتى لو حال دونها ودون المراعي، يحفل تاريخنا المشرقي بملاحم وملاهي عن تلك العلاقة التي أراها وجودية لا مجرد مصلحية بين الراعي وخرافه. كل ما تغير في عالم اليوم أن ثقافة القطيع باتت مصدر خطر لا نجاة للخراف والراعي معا.

ما عاد الصوت هو العروة الوثقى أو الحبل السري الذي فيه تودع أسباب الحياة والنجاة والفلاح. في عالمنا الشقي المتمرد اليوم ثمة -إلى جانب الصوت- أصوات أعلى من ضجيج الدعاية والإعلان ولا أقول الإعلام المشوش المضلل بكسر الشين واللام على التوالي. جوقة من المؤثرات السمعية والبصرية تذكرنا بذلك النداء الخالد للإنسان بأن يفتح أذنيه وعينيه فيسمع ويبصر القلب ويرى نور الأمان الحقيقي، الشامل والدائم.

مازلت أذكر مديح المدّاحين الصدّاحين في عالم ما قبل الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي حين ضجت “بلاد العرب أوطاني” وازدحمت بمن أسموهم “القائد الملهم”، طبعا فتح الهاء. فذلك القائد تلهمه السماء وترعاه أيضا وتبارك في يمناه ويسراه وإن كان “أشولا”! هو السياسي الأول والعسكري الأول والعالم المتخصص الأول في المجالات كلها بما فيها الرياضة ومنها الملاكمة بأوزان الفراشة وحتى الثقيل، فضربته قاضية!

لكن ماذا نقول لأولادنا ولأحفادنا عن أولئك الملهمين، وهذه أرقام الهجرة واللجوء والبطالة والعجز التجاري والمالي تداهمنا من كل اتجاه؟ ماذا نقول لجيراننا في المهجر عندما نقارن قادة العالم ببعضهم بعضا؟

لم أزر اليابان سوى مرة واحدة في حياتي. كانت زيارة عمل ليس من حقي الخوض في تفاصيلها لكني أكتفي بإشارة واحدة هي احترام ومحبة الشعب الياباني للأسرة الإمبراطورية.

ميزة هذا الاحترام هو تجرع مرارة الهزيمة في الحرب العالمية الثانية إلى حد توقيع قرار الاستسلام التام وغير المشروط. الإقرار بالواقع هو أول متطلبات الخلاص والبعث والنهوض كطائر العنقاء.

ما أحلم به وأطالب به – كمشرقي، كعربي، كأمريكي – هو قائد ملهم بكسر الهاء. قائد يقر بالحق والحقيقية فيصدق نفسه وشعبه والعالم كله.

من الأمثال الأمريكية الأكثر حضورا في الحياة اليومية هو “ليدينغ باي إكزامبل” القيادة بالمثال أو بالنموذج. أكثر الناس انضباطا بهذا المثل العسكريون والرياديون من أصحاب الأعمال حيث يقود القائد العمل كراعي حقيقي فيكون قائدا لا مديرا، راعيا لا زعيما..

الرعاية والقيادة بالأخلاق والجهود والتضحيات والصبر والمثابرة والحكمة والمحبة لا بالقرابة، ولا بالشبه، ولا بالشهادات، ولا بالرتب الدينية أو العسكرية. وكل ضوضاء الصحافة وضجيج السوشال ميديا مدفوع الأجر سرا أو علانية لن يقلب الحقائق في أذن تسمع وعين تبصر. رعى الله أوطاننا ووقاها شر الفتن ما ظهر منها وما بطن. هو الراعي ما من رب لنا سواه..

 

*كاتب ومحلل سياسي – مدرب مع برنامج الدبلوماسية العامة في الخارجية الأميركية ..
المقال يعبر عن رأي الكاتب ..
عنوان الكاتب على basharjarrar : Twitter
 

صفحتنا على فيس بوك

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى