رأي

العودة إلى حضن الشعب .. غسان أديب المعلم ..

 

“حضن الوطن” .. المصطلح الذي تكوّن إبّان الأزمة في البلاد، والذي يعبر عن واجب ومسؤولية الدولة في احتضان المواطنين وشطبهم من قوائم الخارجين على القانون والنظام والدستور في البلاد، وفي الترفع عن الخطايا أو الأخطاء التي قاموا بها، وإعادتهم إلى الحالة القانونية والمجتمعية السليمة، وإن كان منهم مُصنّفين في خانة العداء لمنهج الدولة بشكلٍ عام، ولنظامها السياسي، أو في خانة التورط في استخدام العنف والسلاح، أوو في خانة الاصطفاف السياسي خلف جهات تعلن عدائها للجمهورية ومواطنيها بما تسبب بإلحاق الأذي بهم بشكلٍ أو بأخر، هذا الاحتضان يشترط أن لا يكون هنالك أفعال جرمية جنائية يطالها القانون العام في البلاد.

لم يبق المصطلح حصرياً للأفراد، بل شمل أيضاً أيّ مجموعات أو جهات أو منظّمات أو مؤسسات دوليّة واقتصاديّة، وصولاً إلى البعثات الرسميّة وممثلي الدول الذين يصدر منهم أي تصريح أو يقومون بأي خطوات تؤشر على تغيير مهما كان بسيطاً على سياساتهم السابقة تجاه الدولة.

اتخذ المصطلح في التواصل والتداول طابع السخرية والتشفّي بالانتقام، أو الافتخار بالنصر، ومن المردّدين من ذهب بعيداً حول تقديم الجنّة على طبقٍ من ذهب للسوريّين بعد تصريح ما، أو زيارة لوزير دولة، حتى ولو كان لشخصيّة فنّية أو رياضيّة أو فرقة سيرك وبهلوان.

انحصر التداول في الأيام الأخيرة في اتجاهين بعد عزوف منظومة الجامعة العربية عن قرار حضور سوريا لمؤتمر القمّة العربية المزمع عقده في الجزائر، فذهبت طبول وأجراس جوقة السلطات باتجاه العودة التركيّة الأردوغانيّة تجاه حضن الوطن، وبعد ذلك عودة حركة حماس إلى ذات الحضن البالغ الإتساع الفائض بالحنان.

ويتوازى ذلك الأمر مع طرح مصطلحات بديهيّة يعلمها ويعرفها بل ويعاني منها أغلب السوريّين عند مقولة “السياسة مصالح” و”الدول ليست جمعيات خيريّة” و”السلطات لا تتعاطى مع مبادئ ومصالح الدولة العليا بالمشاعر”.

هذا الأمر صحيح، والمصطلحات في غاية الإتقان والروعة والبيان، لكن عندما تكون المصلحة الأولى هي بإتجاه المكوّن الأكبر والحامل الأكبر لمعنى الدولة الطبيعي وهو “الشعب”.

لا أدري أي مصلحةٍ لدى دولة ما بمفهومها الطبيعيّ المؤسساتيّ أن توجّه جوقتها المختارة بعنايةٍ فائقة من مأجوري الأفكار والمبادئ لتوجيه سهام “الغباء” للشعب بأكمله عندما يكون المزاج الشعبيّ رافضاً لأمرٍ ما أصابه في مقتل، وتجرّع منه ما تجرّع من الغدر والخيانة وإراقة دماء السوريٍين بالعموم، وصولاً لاتهام الشعب بعدم معرفة ألف باء السياسة والمبادئ والمصالح العليا، وأن لا يوجد ضرورة لمجرّد التفكير، فسلطات البلاد هي الأقدر والأفضل والأعلم والأخبر بمصالح البلاد، بينما أنتم بكامل ثقلكم وحجمكم وعددكم مجرّد قطيعٍ غرائزيّ بحاجة لمن يقوده ويوجّهه لا أكثر!.

ومرّة ثانية، وذات المصطلحات، تعود لتكرير مشتقّاتها مع تكرار العدوان الصهيونيّ على مرافق البلاد “المدنيّة والعسكريّة”، وكان آخرها قبل يومين أسفر عن استشهاد خمسة جنود في مقتبل العُمر لم ترد حتى أسماءهم في البيان الرسمي، ممّا زاد في حالة الاحتقان الشعبي المتخمة بالأساس، والذي لا يكفّ عن الغليان إثر كلّ عدوان وما يخلّفه من شهداء.

ثم تأتي ذات جوقة السلطات بذات المصطلحات وذات التعابير الاستفزازيّة التي لا خلفيّة لها سوى انعدام الانتماء والهويّة إلّا لمن يدفع أكثر، والميل بحسب مجرى رياح المُستَعبِد.

بالعودة إلى مصطلح “مصالح الدولة العليا.”

أين مصلحة الدولة من عودة “حماس” إلى “حضن الوطن”؟.

قال إسماعيل هنيّة في تصريح عام 2019 بعد انتفاضة أحداث الفلاشا “يهود أثيوبيا والسودان”: “كان بمقدورنا أن نهاجم السجون الاسرائيلية و الإفراج عن أسرى حماس، لكن نحن خصوم شرفاء ولن نساعد على تفشّي الفوضى في المنطقة، فسقوط اسرائيل الآن لن يخدم القضية الفلسطينية.‎”

و”القضيّة الفلسطينيّة” لطالما كانت الهمّ والاهتمام وأم القضايا بالنسبة لمصلحة الدولة العليا كما تقول السلطات، والتي كانت تعتبر نفسها “أمّ الصبي”، وبالتأكيد هي كذلك في قلب الشعب السوريّ فعلاً ووجداناً وليس مجرّد خطابات، وهي الجزء الجنوبيّ من سوريا عند الكثير من السوريّين، ولا ننكر من يراها مكوّناً من أمّة عربيّة مفترضة، لكن أين المصلحة!؟.

وكنّا وغيرنا قد أشرنا لماهيّة هذه الحركة في عدّة مواقع، وذكّرنا لأكثر من مرّة بأعلى تصريح رسمي لرئيس البلاد حول ماهيّة حماس الإخوانيّة وأنها ليست مقاومة ولا من يحزنون، فأين المصلحة العليا؟.

ولماذا تكون مصالح الدولة  بعكس رغبات الشعب؟، هل ثمّة من يعطي تبريراً منطقيّاً للفجوة؟.

ذات الأمر مع تركيا، ولسنا في وارد التقوقع للأبد ضمن سياجٍ إقليميّ مكانه الأحلام، ونعلم تماماً حجم ووزن تركيا على الساحة الإقليمية والدولية، لكن هل من ينتزع دبلوماسيّاً إقراراً تركيّاً مُلزماً بمحو الإتفاق الملّي التركي 1919 قبل عودتها إلى “حضن الوطن”؟.

أو هل يمكن انتزاع قرار تركيّ بتعديل إتفاق آضنة وفق شروط المصلحة السوريّة فعلاً،  ويُراعي الأوضاع الراهنة في الجزيرة السوريّة المنتزعة حالياً من أمّها لأنها ترزح تحت رحمة مجموعة صغيرةٍ من الانفصاليّين؟.

والأهم، أين مصلحة الدولة الحقيقيّة مع العمود الفقري الحقيقيّ للبلاد برمّتها، وأقصد الشعب؟.

فبينما تشهد البلاد هذه الحالة الاقتصاديّة الصعبة، بل المُزرية، وهذه الأوضاع الخارجيّة من عدوانٍ واحتلال، وفرض أمر واقع يخدم فكرة التقسيم وسرقة الموارد، تعود لذات مسرحيّات العمليّات الانتخابيّة للإدارة المحليّة لفرض قوائم حزبيّة وفق التعيينات وبدون أيّ برامج انتخابيّة، وفوق ذلك تصرّح عبر رئيس الوزراء بأنها ماضيةٌ نحو اللامركزيّة، فهل يكون الانتقال سليماً مُعافى ضمن هذه العقليّات التي لا تعرف الإدلاء بتصريح سليم؟.

 

في النهاية، لا يهم حجم الإقبال على أداء الواجب الوطنيّ المزعوم الذي لا وزن له أمام ما نشهده من السخط وعدم الرضا على جميع المؤسسات، فمجلس الشعب ليس ببعيد، ومسرحيّاتنا مُتخمة بالقهر والعجز والتهميش والإقصاء، وبدلاً من عودة السلطات إلى حضن الشعب، تزيد الطين بلّة باستغبائه عبر جوقتها المُصطنعة، وعبر أسماء إداراتها ومُمثّليها وليس ممثّلي الشعب، وأذكر أحد العناوين التي ردحت بها الأبواق عن انتصار الدولة الساحق الماحق على الكرة الأرضية وشياطين الجنّ في الفضاء، لكن لماذا لم ينتصر الشعب؟.

السلطة التي تنتصر دون شعبها لا معنى لانتصارها، ولا قوّة ووزن لدولةٍ ما دون قوّة المواطنة وقوة الشعب، ولا معنى لدولةٍ ما في ميزان الدول الطبيعيّ إن لم يكن الشعب هو الدين والديدن..

لكم دينكم وديدنكم .. ولنا حضننا الواسع وسوريّتنا.

 

*كاتب وروائي من سوريا – دمشق
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

تابعونا على فيسبوك  – قناتنا على التلغرام

 

صفحتنا على فيس بوك
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى