يحكى .. يحدث!؟ .. د. نهلة عيسى ..

رغم برودة ردود الفعل الشعبية على الأخبار المتناقلة عن قرب مفاجأة كبرى في العلاقات السورية التركية, وعن استدارة “أردوغانية” من حامي حمى المجموعات الإرهابية إلى رامي حقائبهم في بحور العالم!! إلا أن أسئلة كثيرة توجه لي ولغيري, ممن يظنهم الناس على علم ببواطن الأمور: وماذا سيحدث بعد, هل سيعود حملة عرش “السلطان أردوغان” إلى حضن الوطن, ويفعلون ما يفعله حماة غرف “الموك” في الجنوب السوري, يتسلون باغتيال من دافعوا عن الوطن, ولم تقتلهم الحرب, فقتلهم ما يدعى بالسلام!؟
فأهرب من الجواب إلى الأساطير, وأجيب: البحر في عشية مقمرة, وشوش في أذن نورس عجوز بحسرة, حكاية عن فرخ كان بالأمس صغيراً, وبات اليوم أخطبوطاً؟ فهز النورس الرأس بكل حكمة سنين التحليق, والرؤية من أعلى: نوح في غابر الزمان, هرباً من الطوفان, حمل في سفينته من كل كائن اثنين, فقط اثنان, وترك في فم الطوفان ملايين العصاة من البشر, وبمرور الأيام, توالد من الاثنين ملايين الملايين من العصاة, أيها البحر: كل صغير مآله إلى كبير, ثم إلى الصغر, الموت حلاً أو فعلاً تاماً, وكل ما عداه ناقصاً أو مبنياً على مجهول, ورغم ذلك لم يردع الموت يوماً لا ذئباً, ولا ضبعاً, ولا أفعى, ولم يدفع قابيل بعد قتله لهابيل, للاعتكاف منعزلاً حزناً, فقد ملأ الأرض بسلالته, فلماذا تستكثر على الفرخ أن يصير أخطبوطاً!؟.
قال البحر: نوح اختار الاثنين كفعل اكتمال, رد النورس: الاثنان بالنسبة لنوح, اكتمال الاضطرار, سميه اكتمال القلة, أو ربما سعي لاكتمال الند النقيض, حيث الآخر مرآة, أو هكذا يجب أن يكون, أو مهماز للعدو نحو السماء, تنهد البحر بحرقة, وقال: الحافز ليس مولوداً, هو قبل البشر موجود, وصراع قابيل وهابيل أكبر مثال, ألست من تحدث عن قابيل؟!.
تنحنح النورس: صراع قابيل وهابيل, يؤكد الاضطرار, فالوفرة نقيض الاقتتال, هل سمعت بأحد خرج إلى الصيد, وكلبه يعبث ببقايا الفرائس؟ لا أظنك سمعت, لأن الكلب سيرخي الذنب ويكتم في رئتيه النباح, يا صديقي: الوفرة خيار, ولم يكن أمام قابيل خيار!!
تشظى البحر إلى أمواج, وزبد: تراك تبرر القتل أم تدافع عن القاتل؟ ابتسم النورس باختصار: يا بحر أنا لست واحداً من الناجين, فبيتي السماء, لم يغمرني ماء, ولم أمت من الظمأ, ولم أحمل وزر انه قد تم اختياري وغيري اغتيل بالطوفان, أنا ند للسفينة, وليس اسيراً بها, أو ممتناً لها, ولست محتاجاً للتبرير, أنا فقط رأيت بالبصيرة وليس البصر, أن من حملتهم السفينة, ينتقمون لمن فاتتهم السفينة, والعرق دساس, والحبل جرار!؟
يا بحر: يبدو أن الأذن في آخر العمر تصير سلة مهملات, لو تابعت ما أقول, لعرفت أنني أعني أنه ليس لقاتل في هذا الزمن عذر, لأن الأنداد بحر, والخيارات بحر, والصيد سماء وأرض وبحر, والعيش في بلادنا قبل خيار القتل, لم يتجاوز صعوبة حل الكلمات المتقاطعة, ولكن ما العمل ورؤوس البشر يسندها الضجر, والسخط لم تعد تداويه بسمة اعتذار!؟.
ماج البحر وهاج: أنا لا أفهمك, تنتقل بي مثل البندول من بارد لحار, ماذا تقصد, وما علاقة القلة والوفرة بالقتل أو بالضجر؟ أجاب النورس: كل ثنائية اكتمال, تبرم البحر: عدنا ثانية إلى الضجر, بتؤدة العارف العليم, تابع النورس الكلام: ربما يعمر الكون اثنان, لكن أين, في أي مكان, في أي زمان, ووسط أي أرض, ماذا أكلوا, ماذا شربوا, ماذا قالوا, بل أين ابليس الذي زين لهما الأرض مقراً, يا صاح: لا قيمة لاثنين مهما عظما بلا آخرين يرون في عيونهم انهما عظماء, تذكر: البشرية تدين لإبليس بالوجود, وابليس مدين بحياته, بوجوده للبشر!؟
هل تبحث عن اجابة؟ سأجيبك: أعشق حياتي لأنها منحتني فرصة الاختيار, كنت حراً, ليس مديناً لغير الرب بالحياة, أعشق حياتي, لأن طعامي سمك, والسمك مثلي حر, كان رفيق السفينة, ولم يكن مديناً لها, على عكس البشر, إن جاعوا قتلوا, إن شبعوا قتلوا, وإن خافوا, وإن كرهوا, وإن فرحوا, يا صديق: من لم يركب السفينة .. حر, لذلك لم يخنها, لكن من ركبوا السفينة خانوها, ترى السبب كان الحصار, أم أنها لعنة من لم يركبوها, ربما الجواب: أن الطوفان مثل الجروح .. قصاص!؟.
*أستاذة جامعية – سوريا
المقال يعبر عن رأي الكاتب



