رأي

رسالة لامتطابقة .. “وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة” .. غسان أديب المعلم ..

 

على مدار سنوات الأزمة، لم تتوقّف العربدة الإسرائيليّة تجاه الدولة السوريّة، سواءً عبر اختراقها للمجال الجويّ السوريّ أو المجالات الجويّة اللبنانيّة والأراضي المحتلّة، مع ما يترافق ذلك من اعتداءٍ وقصفٍ على المنشآت العامّة والخاصّة، العسكريّة منها أو المدنيّة، وتحت ذرائع متعدّدة، أكثرها تكراراً هو منع وصول شحنات الأسلحة الإيرانيّة لفصائل المقاومة، أو اقتراب تلك الفصائل من الجبهة الجنوبيّة في الجولان المحتلّ، أو غيرها من الحجج الواهيّة!

ودائماً ما يقتصرّ الردّ السوريّ الدبلوماسيّ إثر التصدّي العسكريّ للبربريّة الاسرائيليّة، على رسالتين متطابقتين تُضافان لأخواتهما من الرسائل المُتراكمة على رفوف خزائن الأمم المتحدّة التي يعتليها الغُبار!

فهذا العالم لا يعترف إلّا بحقّ القوّة، أمّا قوّة الحقّ، فذلك تعبيرٌ ينحصر في المجال الإعلاميّ لا أكثر، بعد اصطدامه بالفيتو الأمريكيّ في أغلب الأحيان، أو بتحالف وتكاتف القوى الاستعماريّة الناهبة لثروات الشعوب، والمُتعالية المُتجاهلة لحقوقها ولو بأبسط الحقوق، أي حقّ الحياة.

وعليه، وإثر كلّ انتهاكٍ جديد، تخسر سوريا في تكرار هذا العدوان عشرات بل مئات الشهداء، إضافة للخراب في منشآت البحوث العلميّة، أو القطع العسكريّة، أو المرافق الحيويّة المدنيّة أو غيرها، ليُضاف ذلك الخراب إلى الخراب العام والدمار الشامل الجاثم على الصدور أصلاً!

ودائماً ما تُحدث هذه الاعتداءات انقساماً بين السوريّين حول ذكر الأسباب والحلول عبر تعدّد الآراء ووجهات النظر، إلّا أن ثمّة قاسمٍ مُشترك في كلا الأمرين .. أي السبب والحلّ، ومردّ ذلك القاسم هو وعيّ الشعب ومحبّته لوطنه.

فعلى صعيد السبب .. فأغلب الاتهامات تنصبّ في خانة تخاذل الحلفاء “الروسيّ والإيرانيّ” في صدّ العدوان، أو على الأقل المساعدة في التصدّي، كذلك في عدم المساهمة بمنعه وردعه مُسبقاً سياسيّاً كان أم عسكريّاً!!

وكذلك الأمر يحوم الاتهام أو التبرير حول مصادرة القرار السوري أو المشاركة فيه من قِبل الحلفاء في الامتناع عن الردّ، لأنّ ذلك الأمر ليس في صالح البلاد بالتوقيت، وخصوصاً أنها ترزح تحت حصار “مقونن” عبر حقّ القوّة الأمريكي، مع أوضاعٍ اقتصادية مُنهكة، أرخت الحرب القاسية بظلالها عليها، مع ما أنتجته القرارات الحكوميّة اللامسؤولة من عيشةٍ ضنك!.

لكنّ القاسم المُشترك في كلّ هذا .. أن هذه الاتهامات والآراء مردّها لمنبعٍ واحد وهو الغيرة على الوطن عند السوريّين، وبذات الوقت .. مايحدثه العدوان من جرحٍ في كبرياء السوريّين الذين يتعالون ويكظمون الغيظ مع كلّ عدوان عن تفاصيل أيّامهم المُثقلة أصلاً بهموم المعيشة، وإنعدام مقوّمات الحياة، وغياب المؤسّسات الحقيقيّة مع القانون، وصولاً لأصعب شعورٍ يمرّ به المرء وهو الغربة في الوطن!، أيّ .. المقتل في القلب!.

أمّا فيما يتعلّق بالحلول، وبناءً على كلّ ما سبق من أسبابٍ يذكرها السوريّون في مواقفهم وحواراتهم بأنّ هذه الرسائل المُتطابقة لا تُسمن ولا تُغني من جوع .. وأنّ الزمان لـ “حقّ القوّة”، ولن تكون هذه الرسائل بمنأى عن غبار الاستهتار العالميّ، وأنّ كلّ الأسباب والمبرّرات التي تسير على خطٍّ موازٍ مع كلّ عدوان جديد، ماهي إلّا نتيجة الضعف والهشاشة في الوضع الداخليّ، وأنّ الرادع الرئيس والحقيقيّ هو بناء وتمتين الجسد الداخليّ ابتداءً من القلب، فقوّة أيّ دولة تكمن فعليّاً في المؤسّسات الحقيقيّة والقانون، وصولاً لقوّة المواطنة .. عندها فقط تمتلك الدولة “حقّ القوّة”، فما الحال لو كان معها “قوّة الحق”؟.

أمّا القدرات العسكريّة لو تواجدت مع العزيمة والبطولة الموجودة أصلاً، فهي ليست بالكافية والكفيلة لوحدها لردع العدوان أو ردّه لأنّ منظومة الجيش هي من الشعب بالأساس، وهذا الشعب الجبّار لم ولن ينسى قضيّته، أو عدوّه، أو مظلوميّته، أو حقّه برغم كلّ مايعانيه من قسوة الحرب والحياة وجرح للكرامة والكبرياء في آن، والتي تهشّم قلبه!، لكنّه مُثقلٌ بهذي الجراح ..

“وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة” .. المعادلة صحيحة مئة بالمئة، ولسان حال السوريّين يقول أكثر فأكثر:

وأعدّوا لأرواحنا ما استطعتم من بناء دولة مؤسسات ومواطنة تنتقل بنا من الصمود إلى الردّ، يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولا حليف أو صديق، إلّا من أتى الله والوطن بقلبٍ سليم.

تحيا سوريا .. وستحيا ..

*كاتب وروائي من سوريا – دمشق
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى