نيوميديا - AI

الشباب العربي يؤيد الفصل بين الدين والسياسة – ريم خليفة

 

 || Midline-news || – الوسط  .

أظهرت دراسة مسْحيَّة جاء نشرها في تقرير التنمية الإنسانية العربية 2016، شملت كلاًّ من تونس والجزائر وليبيا ومصر والمغرب أنّ النسبةَ الغالبة من الشباب تؤيِّد بدرجات متفاوتة، الفصلَ بين الدِّين والسياسة.

وأوضحت الدراسة أن هذا لا يتم إلا من خلال مظلة الدولة المدنية التي تحتضن تعددية المجتمع دون استثناءات؛ بل تحت نظام سياسي عادل لا يهضم الحقوق المدنية والسياسية بين هذا المواطن أو ذاك، والتدخل في المعتقد الديني أو التوجه السياسي. وهو ما قد يكون واحداً من الحلول لكثير من القضايا العالقة في المشهد السياسي العربي، وأيضاً يمتصُّ جزءاً كبيراً من حالات الاحتقان الشعبي وخاصة في أوساط الشباب العربي. لكن استغلال الدين والمذهب والقبيلة في أمور السياسة من أجل إشغال الرأي العام وتحديداً فئة الشباب، المحرك الفعلي لثورات 2011، كان سبيلاً لإبعادهم عن شاغل قضاياهم وهمومهم.

ورأى القائمون على الدراسة أن المشهد العربي يخلو منه شباب صانعون في القرار السياسي، وخاصة في ظل استمرار توارث المناصب الإدارية والسياسية في بلدان المنطقة العربية.

أما العنف فهو ليس وليد هذه المرحلة، كما شدد عليه المنسق العام للمنطقة العربية عادل عبداللطيف الذي قال، خلال إطلاق التقرير منذ أسابيع في الجامعة الأميركية بيروت “إن العنف انطلق مع حالة الجزائر في تسعينات القرن الماضي، وذلك عندما وصل حزب سياسي له انتماء ديني إلى السلطة عبر الانتخاب؛ لكن لم يسمح لهذا الحزب تسلم السلطة. وهي حالة لم يتم الالتفات إليها بشكل خاص؛ بل قوبلت بالعنف والقمع من قبل السلطة الحاكمة، وأدخلت الجزائر في دوامة عنف أهلي خلال حقبة التسعينات”.

بعد العام 2011 أخذ العنف منحىً آخر، عندما بدأ البعض يظن أن ذلك قد يكون طريقاً لتغيير الأنظمة السياسية في المنطقة، وخاصة مع تلك التي فشلت في التغيير ودخلت في سلسلة من حمامات الدم والإرهاب مثل سورية وليبيا، أو التي لم تستطع تحقيق طموحات الشباب الذي خرج من أجل التغيير مثل تونس. الأمر لن يتوقف عند هذا الحد؛ بل إن التطرف تفاقم مع غياب الحريات، وملاحقة الأصوات التي تعارض أو تنتقد سياسات الدول، وهنا – بحسب التقرير – بدأ يُستخدم الدين والمذهب في شنِّ حروب ونزاعات أو ملاحقة الأصوات عبر المحاكمات القضائية المختلفة.

ويرى غالبية الشباب في المنطقة العربية أنّ “داعش” تُمثّل الإرهاب والقتل، وأن البطالة والفقر ونقص الوعي والإغراءات الماديةَ من الأسباب التي قد تُحفّز بعض الشباب للانضمام إلى المجموعات المتطرفة والمتشددة. لكن الدراسة أيضا حذرت من تحول حالة الإحباط إلى الراديكالية بسبب التهميش المستمر، انعدام الفرص وهي عوامل تعوق اتخاذ الخطوات الضرورية والتعاطي مع المجتمع والدولة. إذ ركز التقرير على أقلية من تبنت العنف وقبلت المشاركة في جماعات تدعي النضال من أجل التغيير، وبسبب التقارب المتزايد في المسارات، يتحول الشباب من خلالها من حالة عدم الرضى إلى حالة التطرف في الدعوة إلى التغيير – أو الراديكالية – ومن ثم إلى الانخراط في أفعال عنيفة تلحق الضرر بالمجتمع.

ففي الأردن، أظهرت دراسة مسحية شملت ما يزيد على 25 ألفاً من طلبة الجامعات الأردنية، أن 94 في المئة منهم يعتبرون أنّ الجماعات والتنظيمات المتطرفة لا تُمثِّل وجهةَ نظرهم. فيما تُظهر دراسة ميدانية أجرتها “مؤسسة الدّوحة” أنَّ الشباب في البلدان العربية يُفرقون بوضوح بين الدين كمنظومة قيم، وبين استخدامه كإيديولوجيا تستخدم للمواجهة، إذ يرفضون في غالبيّتِهم العُظمى العنف الذي يُمارس باسْم الدين، وينظرون إلى الجماعاتِ المُتطرّفة بوصْفها إرهابيّةً.

بهذه الخلفية، وثَّق التقرير المعوقات الكبيرة التي يواجهها الشباب الساعون إلى تنمية أنفسهم في تعاملهم مع نطاق واسع من مؤسسات المجتمع، عبر المنطقة العربية والتي تؤدي في نهاية المطاف إلى إقصائهم بأشكال متعددة على الأصعدة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ولذا فان استمرار حالة انكار سياسات البلدان العربية لعدد من القضايا مثلاً: المعدلات المرتفعة في البطالة التي تجاوزت في العام 2014- بحسب التقرير- لدى الشباب العربي في المنطقة العربية (29.73 في المئة) ضعف المتوسط العالمي (13.99 في المئة)، ووفقا للتقديرات قد تزداد الهوة في المستقبل القريب، كذلك حذَّر التقرير من أن الاقتصادات العربية قد تعجز عن توليد 60 مليون وظيفة بحلول العام 2020. هذا بالإضافة إلى المشاركة السياسية الضعيفة، واستمرار انتشار التمييز ضد المرأة.

التقرير اقترح ضرورة تفعيل تمكين الشباب في المنطقة العربية من أجل إعادة بناء المجتمعات العربية برمتها، والتوجه نحو مستقبل أفضل؛ لأن مؤشر التنمية الإنسانية هو دليل يقيس رفاهية الإنسان بمدى التقدم المحرز في العيش حياة طويلة وصحية، تحصيل العلم والمعرفة، وأخيرا التمتع بمستوى معيشي لائق، وهذا لن يتحقق إلا إذا تم استثمار قدرات الشباب العربي اليوم، وتوسيع حيز الفرص المتاحة أمامهم من خلال الاستماع إلى صوته بدلاً من إخماده في دهاليز السجون.

كاتبة وإعلامية بحرينية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى