الشباب السوري بين آلام الحرب والاستراتيجيات الصامتة
حيدر مصطفى ..
|| Midline-news || – الوسط ..
كيف يحيا المجتمع السوري وشبابه في ظل هذه الحرب المستمرة ؟ سؤال مشروع قد يطرحه أي شخص غير سوري للاستفهام عن المتغيرات التي طرأت ، فيما يسأل السوريون ذات السؤال تعجباً ( كيف نحنا عايشين ؟ ) ، والمقصودون هنا ” المواطنون العادة ” ، أي اللذين أثرت بهم الحرب سلباً أو ابقتهم على حالهم ، وليس ” المواطنون فوق العادة ” ممن ما عادت الأرض تتسع لهم ، وباتت أبواب دمشق ضيقة عليهم ، وخزائن الأموال لا تكفي لحصر مكتسباتهم وأموالهم ، والأمثلة كثيرة .
يخدعُ نفسه من يكابر على الجرح الذي أصاب سوريا بالقول إن هذه الحرب وأزماتها لم تترك شرخاً واسعاً في المجتمع بكافة أطيافه وعلى كل المستويات ، يكفي أن نقرأ التقارير الإحصائية عن نتائج الأزمة لندرك أن دواء هذا الجرح يحتاج إلى عقود كي يتشكل وأن العلاج قد يحتاج إلى عقود أخرى ، من أصل 23 مليون مواطن هناك أكثر من 300 ألف ضحية متوفاة ، وعشرات الآلاف من المشردين والعاطلين عن العمل ، وملايين آخرين باتوا من اللاجئين والمهاجرين يجوبون أصقاع الأرض ، انتشار الفقر والبطالة باتا عاملين رئيسيين لذهاب المجتمع السوري نحو المزيد من التخلف وربما الرجعية أيضاً ، ناهيك عن انتشار الفكر المتطرف ليس فقط على المستوى الديني .
مشكلة المنظومة التي تحكم سوريا اليوم أنها تضع استراتيجيات صامتة ، عامل الإعلام فيها ضعيف بشكل لا يتناسب وحجم المأساة ، فلا برامج تنويرية ولا ندوات ، يمكننا القول ببساطة إن دور المجتمع المدني والإعلام لم يرقَ إلى مستوى تداعيات الحرب بعد ست سنوات من التدمير الممنهج لكل مقدرات هذا الشعب .
بطبيعة الحال العامل الثقافي لم يجد مكاناً أو بالأحرى بات على مستوى ضيق جداً ، لدرجة أن المجتمع السوري وصل إلى مرحلة اعتبار المثقفين فيه ممن لديهم اهتمام واسع في مجالات عدة والراغبين في تطوير أنفسهم طفرات غريبة ، الأمر كان له أثرٌ سلبيٌ جداً ، تبدى بشكل واضح إثر تفاقم تداعيات الحرب التي بلا شك قضت على مستقبل الغالبية العظمى من جيلين كاملين ، مواليد الأعوام ما بين (1980 و 2000) ممن وقع عليهم حمل الحرب بشكل فاق قدراتهم أو إمكانياتهم ورغباتهم بدرجات كبيرة .
بالنسبة للشباب السوري اليوم يمكن تقسيمهم إلى ثلاث حالات ( كثيرون اختاروا الذهاب إلى جبهات القتال طوعاً .. كثيرون ذهبوا مرغمين ومجبرين .. وكثيرون لم يتركوا وسيلة للتملص والتهرب أو إيجاد منافذ قانونية كإيجاد عمل والإقامة خارج القطر أو الهجرة النهائية ) ، الأمر الذي خلق شرخاً بين صفوف الشباب السوري ، فكثيرون ممن يقاتلون اليوم على جبهات السلاح ينظرون نظرة دونية إلى آخرين مازالوا متمسكين بحياتهم المدنية رغم أن الغالبية العظمى منهم لديه مسوغاته القانونية ، إلا من رحم ربي ممن لديه إمكانيات تمرير رغباته من فوق الأساطيح ، والقصد هنا أبناء ( المواطنين فوق العادة ) ، بحسب سوريين .
بكل الأحوال ، الحرب أرخت بتناقضاتها على واقع الحياة في البلد المنكوب ، على سبيل المثال ، عند أبواب دمشق الشرقية تدور المعارك الطاحنة ، في وقت تعقد فيه الحفلات الصاخبة في باب توما وباب شرقي بشكل يومي ومنذ بداية الحرب ، هذا المشهد طبيعي في الحياة الواقعية إلا أنه موقعة اصطدام وتنافر عبر وسائل التواصل الاجتماعي .
الأمر لفت انتباه صحفية روسية قابلت الرئيس السوري بشار الأسد مؤخراً وسألته السؤال التالي : ” جيشكم فقد الكثير من الدماء ، هذا واضح ، لكن من جهة أخرى عندما أكون في دمشق وأرى عدداً كبيراً من الشباب في المقاهي يشربون القهوة منذ الصباح أتساءل “ من هم هؤلاء الشباب ولماذا ليسوا موجودين في الجبهة ” ، يقولون لي إنهم طلاب ، بعد هذا أرى مراكز اللياقة الجسدية مليئة بالشباب مفتولي العضلات ، ماذا يفعل هؤلاء هنا ؟ أرسلوهم جميعاً إلى الجبهة ، أنا لا أفهم لماذا لم تقوموا بتعبئة عامة للجيش كما فعلنا نحن في الحرب الوطنية ؟ بشكل عام عندما كان لدينا حرب كبيرة أرسلنا جميع الرجال إلى الجبهة ” ، فأجابها الرئيس الأسد ” ما لدينا الآن هو ما يمكن تسميته تعبئة جزئية ، لماذا جزئية أو ما معنى جزئية ؟ أي أنها ليست بأعلى مستوياتها ، إن أعلى مستويات التعبئة يعني مشاركة الجميع في القتال على مختلف الجبهات العسكرية وهذا يعني ألا يكون أحد في الجامعات وألا يكون هناك مدرسون في المدارس ولا موظفون يقومون بأي شيء وحتى الشاحنات والسيارات سيتم استخدامها من قبل الحكومة وكل شيء آخر سيكون جزءاً من هذه الحرب ، سيكون ذلك مقبولاً لو كانت هذه الحرب ستستمر لبضعة أسابيع أو ربما بضعة أشهر فقط لكن بالنسبة لحرب مستمرة لحوالي ست سنوات الآن فإن هذا يعني شلل المجتمع وشلل الدولة ولن تتمكن من كسب الحرب إذا كان لديك مجتمع مشلول ، ولذلك ينبغي أن يكون هناك توازن بين الحرب وبين الاحتياجات الأساسية للمجتمع ، الجامعة والخدمات التي ينبغي تقديمها للناس لهذا السبب من الحيوي تحقيق ذلك التوازن ؟ هذه هي وجهة نظرنا “.
كلام الرئيس الأسد كان شافياً وكافياً ووافياً ، الصحفية الروسية استطاعت أن تتحدث وإياه عن إحدى أهم الاستراتيجيات الصامتة للدولة السورية لقيادة المجتمع في ظل هذه الحرب الشعواء ، لكن السؤال إلى أي مدى يمكن إقناع الممتعضين من واقع الحال هذا بأن هذه الإدارة تترك آثاراً إيجابية على مستويات عدة ؟ ، بالتأكيد هي ليست مسؤولية الرئيس الأسد لتبيان أهداف هذه الاستراتيجية ، بل إن المسألة تقع على عاتق المجتمع بحد ذاته ، الذي يرفض النهوض بنفسه أكثر وتعميق الشعور الوطني ، هناك مشكلة حقيقة في من يعتقد أن هذه الاستراتيجية هي أمر واجب على الدولة السورية على المقلب الآخر بالتأكيد ، وفي ذات الوقت هناك مشكلة أكثر عمقاً في من يقيس مسألة وجوده على الجبهة أو سلبيات عدم وجود قرارات لتسريح المقاتلين القدامى بالقول : هل نحن هنا نقاتل دفاعا عن هؤلاء الذين تمتلئ بهم المقاصف ومقاصد السهر والمطاعم والكافيهات والجامعات الخ ؟ .
بالتأكيد حل المشكلتين لا أملكه أنا أو غيري بل عند الجهات المسؤولة والتي من المفترض أنها قادرة على تمتين الشعور الوطني للفرد .
*إعلامي سوري
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الموقع وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً



