رأي

إعادة تمثيل الجريمة!؟.. د. نهلة عيسى ..

 

أحاول تفكيك المشهد السياسي الوطني السوري في ضوء ما هو إقليمي ودولي, علني ألمح أفقاً ما, أو يابسة تبدو من بعيد, يمكن الوصول إليها ولو بعد حين, لكن وبعقل بارد, كل الوقائع تشير إلى أن الحل ما يزال بعيداً .. بعيد, وأنه ربما ليس مقدراً لجيلنا أن يكون شاهداً سوى على إعادة تمثيل الجريمة, التي ما تزال تحدث كل يوم منذ أربعة آلاف يوم!.

لذا, ترى هل ما زال الكلام مهماً في بلادنا, قبل أن تسدل ستائر الصمت والنسيان على كل ما جرى في عشرية الموت والنار, بزعم اندمال الجرح, ورأب الصدع, وهل من الممكن التوقف عن إعادة تمثيل الجريمة قبل أن تعلو أكثر فأكثر جدران التغافل, والتجاهل, والتعالي الأعمى, التي جللت عشر ونيف من نزيف, سُوق على أنه قربان طهارة من ذنوب ارتكبتها عبس وقريش وتميم وأمية, وكنا نحن والوطن .. الضحايا!؟.

أظن وبعض الظن فراسة, أن الصمت سيصبح نعشاً, ما دام حاضرنا مربوطاً بماضينا, بكل تناقضاته التي لم تحسم, ويبدو أنها لن تحسم, لأن لا أحد يسأل لكي نجيب عن ماذا ولماذا وكيف؟ فالصمت المتعمد مشجبنا الأثير, الذي لطالما علقنا عليه خطايانا, وبررنا به توانينا,  ولأنه لا إجابة على ما عشناه, إلا في كتب التاريخ, التي وإن كان الأقوياء قد كتبوها كما يحلو لهم, وبالطريقة التي كانوا يريدون أن تبدو عليها الأشياء, والحوادث, إلا أنها في النهاية دليل على الكفة التي لطالما مكثنا فيها في ميزان التاريخ, حيث عجزنا عن المشاركة في كتابة فصوله, إلا ما ندر, وللأسف أن ما ندر, هو ما يعيش عليه حتى الآن .. العرب!؟

وحكايات التاريخ تقول: أن مأساتنا تكمن في أننا نفكر كما أراد لنا المنتصرون علينا .. أن نفكر, ونتصرف كما أراد لنا الأقدمون أن نتصرف, ولذلك نحن في حالة تأرجح مخيفة ما بين حضن سارتر, وحضن ابن تيمية, وليس هناك بلاطة وسط نضع فيها قدم نتوازن عليها, يمكن أن تكون بلاطة انتماء أو وجود, لأن من يوجد في مكانين في وقت واحد, لا يوجد!؟

أيضاً حكايات التاريخ تقول: أن  حالة التأرجح  لطالما شكلت مأزقاً وفصاماً ثقافياً عربياً, حيث معظم مرجعياتنا بتفاسيرها, أحادية, فوقية, تتحدث حتى شعراً, عن المطلق, والمتسامي, والمتعالي, والأصدق, والذي لا يشبه أحد ولا يشبهه أحد, بينما الواقع تلاقحي, ونسبي, وحمّال أوجه, ومزيج من كل شيء, بلا تفضيل ولا هيمنة, ولا صكوك غفران توزع على التابعين!!.

ناهيك عن أن التاريخ يقول: أن الماضي ليس أثراً نقف على أطلاله نتذكر, وليس بركان “فيزوف” الذي حَجر البشر والشجر والبيوت في لحظة تحولت إلى أبدية, وليس فعلاً منقطعاً عما سبقه أو يليه, ولذلك لا كامل وحيد .. سوى الموت, والوصول للاكتمال يفترض العيش أولاً, وهو أمر ما زلنا نجهله, أو نتجاهله لئلا نعترف بأننا جميعاً شركاء في الجريمة, وفي إعادة التمثيل!.

ولذلك لا عذر لصامت الآن, لأن إعادة رسم الخرائط من قلب الخراب, ومن رحم الحد الأدنى للحياة, تستلزم قراءة التاريخ, والاعتراف بأننا جميعاً فيما جرى مدانون, ولسنا أشباه آلهة, بل فينا يوسف العظمة, كما فينا من نزل عن جبل أحد ليقتسم الغنائم, فهُزم, ولذلك قراءة الماضي بقصد الفهم, هي أساس رؤية الأبنية المقبلة من وسط الدمار, وتلمس البذرة الحية الكامنة في جذور الأشجار المحروقة, وحبة القمح الصامدة في تراب الهشيم, بلا ادعاء أو تنطع, لأن المستحيل, هو ما لم يجربه أحد!.

حقاً لا عذر لصامت, بحجة أنه قد آن الأوان للعبور للغد, رغم أن الغد ما زال أمس, وما زال قصصاً وحواديت, تنتمي في حقيقتها إلى تاريخ روايات الجيب, وحكايات الجدات قبل النوم عن  بلادنا .. الأميرة النائمة, وعن قبلة الحياة والأقزام السبعة, والجنة الملغمة بالحوريات, والأمير المنقذ, وفي كل مرة أمير جديد, ونوم مديد, خاصة وأن نوم الأميرة يبدو متعمداً, وغاية ومقصداً لمن باعونا التاريخ بضاعة فاسدة, وأجبرونا على التهامها على قاعدة: الجود بالموجود, وأيضاً ما زالوا يظنون أن الصمت يمكن أن يرأب صدعاً!؟.

*أستاذة جامعية – سوريا

 

صفحتنا على فيس بوك

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى