رأي

بين “إشراقة” سوريا وغروب “بريطانيا” .. غسان أديب المعلم ..

 

“باي باي جونسون” – “لقد فقدنا الثقة بك” ..

عبارات مؤلمة وجّهها الشعب البريطانيّ لرئيس وزراء حكومته بوريس جونسون، أرغمت هذا الرئيس على الاستقالة من رئاسة حزب المحافظين، بعد أن عبّر غالبيّة أعضاء الحزب عن هذه الرغبة، وتم تقديم استقالات جماعيّة تجاوز عددها خمسة وخمسين وزيراً ومسؤولاً ونائب وزير، فكانت كفيلة بوداع جونسون لمنصبه، رغم أنّه الرئيس الذي حظي بأكبر نسبة دعم وتأييد لرئيس وزراء عام 2019 منذ عهد رئيسة الوزراء البريطانيّة السابقة “مارغريت تاتشر”!.

بل أكثر من ذلك .. فإبان عهده حظي الاقتصاد البريطانيّ عام 2021 بأعلى رقم نموّ اقتصادي تجاوز ٧،٥ بالمئة، وهذا الرقم لم تشهده البلاد منذ عام 1941 أثناء الحرب العالمية الثانية، ليكون الاقتصاد البريطانيّ في صدارة اقتصاديّات العالم بنسبة النموّ بعد أحداث جائحة كوفيد19.

وهذه الأخيرة، أي أحداث كوفيد، كانت السبب المباشر في تدنّي سمعة بوريس جونسون إلى الحضيض، واعتباره مخالفاً للقوانين إضافةً لتهم أخلاقيّة كالكذب والخداع.

فشرطة سكوتلاند يارد باشرت منذ أشهر بالتحقيق في ستّة عشر حفلة تمّ الإبلاغ عنها خرقت قيود جائحة كورونا، ووعدت بتقديم تقريرها خلال أسابيع لا أكثر، ليجري حينها معهد “ريدفليد” استطلاعاً للرأي تظهر نتيجته بأنّ خمسة وستّين بالمئة من الشعب البريطانيّ يرغب باستقالة جونسون في حال تغريمه من قبل الشرطة، ممّا استدعى بوريس جونسون لأن يقدّم اعتذاره بدون تحفّظ أمام البرلمان في الشهر الرابع من هذا العام.

لكنّ استطلاعاً آخر للرأي أجراه معهد “سافانتا كوريس” أظهرت نتيجته بأنّ اثنان وسبعون بالمئة من الشعب البريطانيّ يُطالب بوريس بالاستقالة لأنّه كاذب ومخادع، ولتخرج الكلمات الجارحة من عموم الشعب والمسؤولين على حدٍّ سواء بـ “لقد فقدنا الثقة بك”.

والآن .. سنستعرض باختصار ما تم سرده في البداية:
رئيس وزراء يمثّل أعلى سلطة في البلاد، يحظى بأكبر دعم قبل ثلاث سنوات، يحقّق أعلى نموّ اقتصاديّ، يرتكب مخالفة، تحقّق الشرطة خلال أسابيع وتقوم بتغريمه، تظهر استطلاعات رأي تصفه بالكاذب، يعتذر، ومن ثمّ يقدّم استقالته.

والآن أيضاً، هل توجد مثل هكذا حالات في بلادنا؟.
هل يمتلك مسؤول واحد في هذي البلاد الجرأة على تقديم الاعتذار بأيّ أمر والاعتراف بالمخالفة؟.
هل هناك حياة حزبيّة حقيقيّة في هذي البلاد؟.
هل تستطيع الشرطة التحقيق مع مسؤول وتظهر نتيجة التحقيقات خلال أسابيع، وتقوم بتغريمه؟.
هل هناك استطلاعات للرأي حقيقيّة على أرض الواقع؟.
هل نشهد يوماً حالة ديمقراطيّة تشابه هذه الحالة؟.

على أرض الواقع، نعيش أسوأ ركود اقتصاديّ، ونعيش وسط انهيار متتالٍ للمنظومة الثقافيّة والأخلاقيّة، ونتسابق نحو الانحدار إلى القاع بأرقامٍ قياسيّة، رغم امتلاك بلدنا الكفاءات التي تحلم بها أيّ دولة، لكنّ مُشكلتنا وطامّتنا الكبرى مع المسؤولين الذين يعتبرون أنفسهم منزّلين من السماوات، لايأتيهم الباطل لا من بين أيديهم ولا من خلفهم ولا من أمامهم، حتّى الهواء الذي يستنشقونه كالعسل المصفّى!.

لا يجرؤ أحدهم على الاعتراف بخطئه، ولو كان مخالفة مرور، ولا يحترم أحدهم كلام ومشاعر الشعب، ولا رقيب أو حسيب على كل نتائج بياناتهم عند استلام مناصبهم، فالسلطات جميعها متحالفة متجانسة بالفساد، يشربون نخب فشلهم المتكرّر تعالياً وغروراً رغم معرفتهم التامّة بنتيجة استطلاع قلوب السوريّين بأن لا ثقة ولا تأييد ولا دعم ولا حتى بارقة أمل، باختصار .. بلد اللاقانون واللامواطنة.

ما يحزّ بالنفس، ليس حزناً على أوضاع بريطانيا، فأنا كأيّ سوريّ أقف حيالها مستاءً وغاصباً لما اقترفته من انتزاع جنوب سوريا “فلسطين” من أمّها سوريانا الكبرى، وأنا كسوريّ أقف ضدّها لما اقترفته في بلادي مؤخراً..

لكنّني كسوريّ في غاية الحزن لسبب ثانٍ، يقولون: بريطانيا البلد الذي لا تغيب عنه الشمس، وأنا كسوريّ أقول: بلادي هي موطن الشمس الأولى، والحضارة الأولى في هذا العالم، ألا تستحقّ أن تشرق مرّة جديدة؟.

مما لا شك فيه أن الأحرار يدافعون عن الأفكار بغضّ النظر عن قائلها والعبيد يدافعون عن الأشخاص بغضّ النظر عن أفكارهم، وبما أن المواطنة والقانون هي أساس قوّة أيّ دولة، لذلك، لن تغيب الشمس عن بريطانيا، ولن تُشرق في سوريا إلى أن يكون القانون كما وصفه مونتسيكو: “على القانون أن يكون كالموت، لا يستثني أحداً”.. عندها ستشرق الشمس.

أليس الصبح بقريب؟..

 

*كاتب وروائي من سوريا – دمشق
المقال يعبر عن رأي الكاتب

 

صفحتنا على فيس بوك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى