رأي
عمر أحمد – أبواب ” جهنّم تغلي ” في وجه تركيا !
عمر أحمد ـ أنقرة
|| Midline-news || – الوسط ..
مرّ مشروع تغيير النظام التركي من البرلمان بفضل دعم حزب الحركة القومية، ولا ينتظر حالياً إلا توقيع رئيس الجمهورية أردوغان، ثم يُنشر في الجريدة الرسمية ليتحدد تاريخ الاستفتاء الشعبي بعد شهرين من موعد نشره في الجريدة الرسمية، هذا إن لم يتقدم حزب الشعب الجمهوري بشكوى لدى المحكمة الدستورية العليا لإلغاء المشروع بذريعة أنّ عملية التصويت عليه كانت مخالفة للقانون. فإن جاءت هذه الشكوى سينتظر موعد الاستفتاء قرار المحكمة الدستورية العليا. في الحقيقة ليس هنالك أمل أن تُسقط المحكمة هذا المشروع وتعتبره لاغياً.
بدأنا إذاً الحديث عن الاستفتاء الشعبي “المصيري” بالنسبة لتركيا منذ الآن، كذلك التخمينات والتكهنات واستطلاعات الرأي بدأت بشكل مبكّر.
تقنياً ..
الحقيقة أن حزب الشعب الجمهوري (أكبر أحزاب المعارضة) المتزعم لجبهة الـ ” لا ” لا يملك فرصاً قويّة لحصد النجاح في معركة الاستفتاء الشعبي، لأنه ببساطة لا يستطيع مواجهة الحملة الترويجية لأردوغان وحزبه اللذين يسيطران على أكثر من 90% من وسائل الإعلام في تركيا، وتحت أيديهم كل إمكانات الدولة الماديّة والاقتصادية والبشريّة وغيرها، ولا يجب نسيان أن البلاد لا تزال تخضع لحالة الطوارئ، وأغلب الظن أن الاستفتاء سيجري في ظلها أيضاً. فعلى سبيل المثال ـ انطلقت مظاهرات عارمة ضد مشروع تغيير النظام، نظمتها نقابة المحامين ومختلف منظمات المجتمع المدني في أنقرة في اليوم الأوّل الذي بدأ فيه البرلمان بمناقشة المشروع بداية يناير الجاري، وأحدثت هذه المظاهرات التي تم قمعها بشدّة من قبل الأمن التركي ـ أحدثت ضجّة واسعة في داخل تركيا وخارجها، ما دفع والي أنقرة ـ وضمن الصلاحيات التي منحته إياها حالة الطوارئ ـ إلى منع التجمع والتظاهر في أنقرة لمدّة شهر حتى ينهي البرلمان مناقشاته للمشروع، والمرجح أن هذا المنع سيستمر حتى تاريخ الاستفتاء أيضاً. هنا خسر حزب الشعب الجمهوري أحد أسلحته الفعّالة في الميدان.
حزب العدالة والتنمية يعتمد في حصد الأصوات على الطبقة الجاهلة في المجتمع التركي إن كانت من مؤيديه أو غيرهم، أولئك الذين لم ولن يجدوا حاجة لقراءة مواد النظام الجديد الذي سيصوتون عليه رغم أهميته البالغة، بل سيستمعون إلى خطابات أردوغان “الرنانة” في الميادين وعلى شاشات التلفزة والإذاعة وسيقرأون كلامه في الصحف اليومية لمدة شهرين على الأقل، وسيحفظون عبارة ” من أجل تركيا أقوى ـ نعم للنظام الرئاسي” عن ظهر قلب. إنها أشبه بعملية تنويم مغناطيسي نجح بها أردوغان سابقاً ومرجح جداً أن ينجح هذه المرّة أيضاً، إلا اللهم إن اتبع حزب الشعب الجمهوري تكتيكاً مخالفاً لأسلوبه المعهود في الحملات الانتخابية يمكنه من إحداث فارق ما.
نحن هنا نتحدّث تقنياً عن الاستفتاء الشعبي والفترة التي تسبقه وحظوظ كلا الجبهتين، أمّا عن الحق والباطل فجبهة الـ ” لا ” تبدو أقوى بكثير في شرح رفضها، حتى أن الحقوقيين والمثقفين الموالين لأردوغان يلاقون صعوبات كبيرة في تلميع مشروع تغيير النظام أمام نظرائهم الرافضين في بعض البرامج الحوارية على محطات تلفزيونية قليلة جداً تسمح بهذا النوع من المواجهة.
الإرهاب سيستفحل حتى تاريخ الاستفتاء الشعبي !
نائب رئيس الوزراء “نعمان كورطولموش” أشار قبل أيام ـ في تصريح غريب وخطير ـ إلى إمكانية ازدياد العمليات الإرهابية والاغتيالات السياسية في تركيا حتى موعد الاستفتاء الشعبي! منوهاً إلى أن الإرهاب سيخفت بعد إقرار النظام الرئاسي !!، وعزا ذلك إلى أنّ الإرهابيين سيحاولون إفشال مرور مشروع تغيير النظام الذي يسعى إليه اردوغان.
النائب عن حزب الشعب الجمهوري ” آيكوت إراوغلو” تنبأ أيضاً – عبر عدة تغريدات على حسابه في تويتر عشية إقرار البرلمان لمشروع تغيير النظام – تنبأ باستفحال الارهاب خلال الفترة المقبلة وحتى موعد الاستفتاء، ولكن تنبؤاته جاءت في إطار اتهام حزب العدالة والتنمية بالسعي لنشر الفوضى الأمنية والاقتصادية لإجبار الناخبين على التصويت لصالح تغيير النظام.
زعيم حزب الشعب الجمهوري ” كمال كلجدار اوغلو” وصف في مقابلة تلفزيونية مع قناة “خبر تورك” تصريحات نائب رئيس الوزراء ” نعمان كورطولموش ” بأنها اعتراف علني لنية الحزب الحاكم نشر الارهاب في تركيا للاستفادة من الفوضى سياسياً.
بل إن الاخطر هو اتهام ” كلجدار اوغلو” الصريح لحزب العدالة والتنمية بتدبير أو غض الطرف على الأقل عن تفجيري أنقرة(10 اكتوبر 2015) وسوروج (20 يوليو 2015)، كما أكد امتلاك حزبه للوثائق التي تفضح علم قوات الأمن التركية بوجود الإرهابيين وخطتهم، دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة.
التفجيرين المذكورين أعلاه كان لهما أبعاداً استراتيجية غيرت الكثير من الوقائع في الميدان السياسي التركي.
تفجير بلدة سوروج في ولاية شانلي اورفا على الحدود السورية استهدف مجموعة من النشطاء الاكراد كانوا ينوون نقل المساعدات لأكراد سوريا في كوباني، أعلن داعش مسؤوليته عن التفجير، وبعده بثلاثة أيام اعلن رئيس الوزراء آنذاك “داوود أوغلو” الحرب على داعش، لم يمضي وقت طويل حتى تحولت المدفعية التركية لضرب مواقع المقاتلين الأكراد معلنة موت مفاوضات السلام، وذلك بعد أيام على نجاح حزب الشعوب الديمقراطية الكردي في الدخول إلى البرلمان.
تفجير أنقرة أيضاً استهدف الاكراد الذين كانوا ينوون التظاهر تحت عنوان السلام، وأحدث فارقاً واضحاً في عملية توزيع الأصوات قبيل إعادة الانتخابات في الأول من نوفمبر 2015.
هناك معادلة غريبة في تركيا كالتالي: عندما يرتفع منسوب الإرهاب والفوضى الأمنية والسياسية والاقتصادية في تركيا فالشعب يهرب بأصواته باتجاه أقرب خلاص له، ويعتقد أن هذا الخلاص هو أردوغان!
بناءً على هذه المعادلة وعندما فشل حزب العدالة والتنمية في نيل الأصوات التي تخوله تشكيل حكومة بمفرده في انتخابات 7 يونيو 2015، لجأ إلى نشر الفوضى الأمنية. بل إن تصريحات مسؤوليه الشهيرة اعتبرت ابلغ اعتراف بهذا، حيث قال آنذاك ” برهان كوزو” كبير مستشاري أردوغان ان الشعب اختار الفوضى!! كما قال رئيس الوزراء آنذاك ” داوود أوغلو ” بعد تفجير أنقرة أن أصوات حزبه ازدادت بعد التفجير الإرهابي الأكبر في تاريخ الجمهورية!!
أياً كان السبب والفاعل فهناك فاتورة دموية سيدفعها الشعب التركي، ولكن هذه المرة الهدف هو تاريخ وديمقراطية وحرية ومستقبل الجمهورية التركية بكل ما تحمل الكلمة من معنى. إلا اللهم إن أراد الأتراك القضاء على جمهوريتهم ومبادئ وموروث مؤسسها كمال أتاتورك والعودة إلى عهد الخلافة العثمانية. وفي كل الأحوال فإن أبواب جهنم التي تغلي في وجه تركيا تنتظر فاتحها.



