الديك الفصيحالعناوين الرئيسية

مئة عام من الجنة .. غسان أديب العالم ..

مئة عام من الجنّة ..

مشكلتنا ليست بالتوقيت، وأذكر تلك الأوقات في الثمانينات تماماً، وأذكر كيف كان الوقت الدراسيّ مُقسّماً لدوامين، صباحي ومسائي، وأن الكثير من الطلّاب مع ذويهم، كانوا يشعرون بالخوف في رحلة العودة من المدرسة، ومنهم  -كما يقول لنا الكبار- من يخشى الذهاب للعمل قبل انبلاج الصباح ويخشى أيضاً العودة بعد الشفق.

وهذه التجربة على ما أظنّ بذاكرتي كانت مع حكومة المهندس عبد الرؤوف الكسم، ومن بعدها تمّ اعتماد تبديل التوقيت في أشهرٍ معيّنة ليتناسب وقت العمل مع اختلاف الليل والنهار، ومشكلتنا بالتأكيد ليست هنا، ولسنا من هواة ركوب “التريند” للتحدّث في التفصيل عن قرار الحكومة الأخير وفائدته من عدمها، فالأمر مُعتَمَدٌ في كثيرٍ من البلدان، وهو أمر عادي جدّاً.

لكن الأمر غير الطبيعيّ، والذي اعتدنا عليه، بأن تعذّب السُلطة التنفيذيّة نفسها وتسهر الليالي وتقترح وتجترح حلول التوقيت، وتجتمع بجلسة مباركة لأجل هذا القرار الذي يؤرق السوريّين داخل الوطن وخارجه، بينما سُعار الأسعار بلا أيّ ضابطٍ أو حسيبٍ أو رقيب، وبينما الناس تكظم الغيظ أمام لهيب أسعار المواد التي تحلّق لحظةً بعد أختها، يحلّ الكُفر ضيفاً على الشوارع والأرصفة والأزقّة والزواريب صارخاً، بعد أن كان همساً بين الناس وبنات أفكارهم، وحسيساً بين نديمٍ ونديم، بل وسرّاً بين ربّ الأسرة وأفراد أسرته، خوفاً من عسس الحكومات ولاعقي أحذية السلاطين.

إقرأ أيضاً .. مسؤول، وبيبرونة، وبامبرز ..

وربّما، بل وأجزم أنها سابقة في أرقام الوقاحة القياسيّة التي نحتلّ صدارتها دونما منافسٍ قريب، أو مجاراة فريق لترتيب السلطات على سلّم الترتيب العالميّ للوقاحة والكذب والنفاق واللامبالاة المتعمّدة.

الأمر لم يقتصر على الحكومة، فمجلس الشعب العتيد ظهر وبان وعليه الأمان، واستثمر جلسته الميمونة كسلطةٍ تشريعيّة بالغناء، تُسمعنا وهي تُراقصنا، انتخاباتٍ ليست كالانتخابات، وبعدها توجيه الشكر ومعايدة شبيبة الثورة من الجيل القادم الذي سيتابع معهم المسيرة المُظفّرة الفيّاضة بالنجاحات والانتصارات وسحق ومحق الأعداء، وأن عليهم حمل هذا الإرث الثقيل من الصفعات واللعنات و”رفس ولبط” الإمبرياليّة  والرجعيّة وقوى الشرّ العالميّة، وبالتأكيد، باقي “هياكل المؤسسات” على ذات النهج.

ما تقوله لنا جميع السُلطات:

“دبّروا حالكم، استدينوا، اصبروا، سافروا، هاجروا، اركبوا قوارب الموت، اصعدوا على الخازوق، لا يهمّ الأمر كثيراً لدينا، فما أنتم إلّا عبيد بنظرنا، لم ولا ولن نحتاجكم إلّا للشهادة ونوعاً ما للانتخابات، وليس لأصواتكم، لأن أصواتكم ستكون لنا، بل لأجل إمتاعنا برقصكم وغنائكم وهُتافكم بحياتنا، ومُباهاتكم بانتصاراتنا، وأنكم على قيد الحياة بفضلنا”

فهل هناك من مزيد!؟.

إقرأ أيضاً .. معاً لترويج (متلازمة المحتال)!!

نعم وألف نعم، فمن يهون عليه اصطكاك أسنان أطفال سوريا من البرد، وحمّى وجوههم من القيظ،وتقلّص أحلامهم لانتشال لعبة بلاستيك من حاويات القمامة، سيفعل أكثر وأكثر..

وأنا، كمواطن ضمن هذه المزرعة التافهة، أجزم بأن لدى الكثير المشاعر نفسها، وأنّه لو قُيّض لنا دخول الجنّة بعد يوم الحساب، وأعطانا الله مافيها من ثمارٍ وأطايب وقوافل المنّ والسلوى، مع ما هنالك من النعيم الذي تتناقله الحكايات والموروث حول تلك القطعة من الزمان والمكان المُسمّاة بالجنّة، فإنّ مئة عام من العيش في الجنة لن تُنسينا هذا القرف والاستعباد والاستبداد والظلم من هذه الطغمة التي لا تمت للإنسانيّة بصلةٍ أو تماس.

نعرف أننا كسوريّين نصيبنا الجنّة.

اللهم جهنم لو أنك سامحت مسؤولاً واحداً وأدخلته معنا..

قولوا آمين..

 

#تحيا_سوريا_وستحيا

غسان أديب المعلم ..

 

صفحتنا على فيس بوك  قناة التيليغرام  تويتر twitter

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى