كيف نجذب الأمراض والمشاكل إلى حياتنا ؟ الجزء الرابع عشر – الشفقة والإحسان في غير وقتها ومكانها
د . مصطفى دليلة ..
|| Midline-news || – الوسط ..
لا تتخيلوا حجم المشاكل والأمراض التي تجذبونها إلى حياتكم حينما تشفقون على أحد ما أو تحسنون إلى أحد ما لا يستحق العون. يجب التمييز بين الإحسان والمساعدة وتقديم العون لمن يحتاجه.
يعتقد كثيرون أن الرأفة والإحسان هما عمل من أعمال الخير، أما أنا فأرى عكس ذلك تماماً. عندما نشفق على شخص ما لأنه مريض أو تعيس، أو لأنه فقير، أو لأنه مظلوم فكأننا نركز على مرضه أو تعاسته أو فقره وبالتالي فنحن نجذب إلى حياته وحياتنا الفقر والتعاسة والمرض.
كنت في فترة من الزمن أعطي المتسولين كثيراً، لكن حوادث كثيرة جعلتني أفكر في موضوع العطاء لهم
- أولاً – شاب بكامل قوته العضلية يحمل صبياً صغيراً يفوق السنة قليلا ويشحذ على اسمه يوميا في نفس المنطقة… لم اعطه لفترة طويلة لكني ذات يوم أعطيته مبلغاً يعطيه غالبية الناس لمثل هؤلاء الشحاذين فرماه في وجهي على الأرض… كان جوابي له: تعلم يا أخي كيف تتقبل النعمة مهما كانت حينها تأتيك من حيث لا تدري. وهذا الشخص أعطاني درساً جيدا في معنى العطاء وتقبله.
- ثانياً – عجوز تتسول يوميا في حينا مقابل جامعة تشرين وتجلس في زاوية محددة لها يوميا تحاول استعطاف الصبايا والشباب والدعاء لهم بصوت غير مقبول للقلب. كنت أمرّ من أمامها يومياً وأعطيها أحيانا رأفة عليها. سمعتها ذات يوم تدعو بكلام غير مقبول على فتاة مرت من جوارها ولم تعطف عليها ببعض النقود (الله لا يوفقك، ولا يبعتلك عريس، الله لا ينجحك…). صُعقت من كلامها ولم أقدر أن أتحكم بنفسي ووجهت لها بعض النقد والتوجيه. قلت لها أتدرين ان هذه الفتاة قد تكون بحاجة للفلس أكثر منك بمئة مرة؟…. لم تلمحها عيني بعد ذلك لا في هذا المكان ولا في مكان آخر في حينا.
عندما نرى شخصاً ما وقع في مصيبة فيجب الا نشفق عليه بل أن نعمل على مساعدته للخروج من هذه الأزمة التي يمر بها. وأفضل الطرق لمساعدته هي استيعابه وإظهار عطفنا واهتمامنا به، وقد يكون أحياناً بتقديم عون مادي أو عضلي له.
يسارع كثيرون لإعطاء نصائحهم لمن يحتاجها ولمن لا يحتاجها.. يجب الانتباه لنصائحنا لأنها قد تكون مفيدة وفعالة لنا في حالة معينة، لكنها قد لا تجدي لشخص آخر له عالمه الخاص المختلف عن عالمنا.
وقد يكون الرفض أو قول كلمة “لا” أحد أنواع المساعدة للشخص الآخر لأنها تضطره التوجه إلى داخله وتفجير طاقاته الكامنة التي لم يكن يعلم بوجودها لولا هذه الـ “لا”.
أعرف شخصاً تجاوز الأربعين من عمره يحمل شهادة هندسية عالية ويتمتع بذكاء علمي هندسي خارق لكنه اتكالي لدرجة قاتلة. لم يعرف تحمل المسؤولية المادية ولا المعنوية تجاه نفسه ولا تجاه أسرته التي لم يعرها انتباهه. ما زال يعتبر أن والده هو المسؤول الأول والأخير عليه، وما زال والده مسؤولا عن مصروفه المادي المرتفع جداً منطلقاً من مبدأ “حرام ويجب أن نساعده”.
هكذا انتقلت أخطاء التربية منذ مرحلة الطفولة المبكرة حينما لم يعلم الأب ابنه الاعتماد على نفسه بل ظل مسؤولاً عنه وخائفاً عليه من أية سقطة أو مشكلة يتعرض لها. استمرت مساعدته كنوع من الاستحسان أو الشفقة وهذا ما جلب الكثير من المشاكل إلى حياة العائلة والخلافات الدامية بين الابن وأبيه. لم يعرف الأب كيف يقول كلمة “لا” لابنه منذ الصغر، فباتت هذه الكلمة وأي رفض لطلباته جريمة لا تغتفر في الكبر.
المحبة هي أفضل أنواع المساعدة للآخر. أن تحب يعني أن تعرف كيف ومتى تقول “لا” للآخر، يعني أن تتوقف عن الاستياء، والزعل، والانزعاج، والتأفف، والقرف، والنقد، والاحتقار، والكراهية. أن تحب يعني أن تقدم يد العون للشخص المحتاج، وأن تكون أفكارك ونواياك إيجابية تجاهه.
في هذا الوقت الذي تنتشر فيه ظاهرة التسول كثيراً في بلداننا بسبب الظروف القاهرة التي تمر بها يجب أن نعرف كيف نمد يد العون لهؤلاء المحتاجين. إن مساعدة هؤلاء لا تتم بأن نرمي لهم بعض القروش ونحن نمر من أمامهم. نحن بذلك نشير إلى حاجتهم ودونيتهم، ونشعرهم بالذل والإهانة، وبأنهم ضعفاء ومهزومون نفسيا ومعنوياً. عندما نزيد من العطاء لهم في الشارع تتضاعف أعدادهم وتتضاعف طرق النصب والاحتيال عندهم للحصول على المزيد من المال بأسهل الوسائل والطرق. يجب أن نساعد هؤلاء بالقضاء على ظاهرة التسول وتحويلهم إلى عناصر فاعلة في المجتمع وليس عالة عليه.



