العناوين الرئيسيةحرف و لون

قَتَلْتُهَا!!.. فراس الحركة

|| Midline-news || – الوسط …

الظلام الآن أشدّ حزناً, مرهقةً تسمع همس الكون يُقعي في سكينة الليل.. تنـزلق يدها عن الصخرة الكلسية التي تجلس فوقها, تتحسّس فواصلها المنحوتة طبيعياً منذ سنين, أصابعها الناعمة تنقل لها إحساساً غريباً لم تشعر به من قبل, كأنها على سطح القمر, الذي لن يظهر هذه الليلة.
لم يكن المكان موحشاً, صخرة كلسية صغيرة على كتف هضبة تُشرف على المدينة, تخبّئ حولها, مذ كانت طفلة, ألعابها, أسرارها, دموعها.. هنا, تحيط بها السماء, تُحَضِّرُ معها غابة من الأسئلة, تذويها في عقلها مفتاحاً لغد أكثر إشراقاً, بعيداً عن ضوضاء هذا العالم. لكنها الآن ليست هي, هي واحدة أخرى, بكيان آخر, وحلم آخر, يشدّها حزن الوجود للنهوض, ويُقعدها واقع أشدّ مرارة, فُرض عليها كالأخريات من جلدتها. الليل والظلام يلفانها بجنون واضطراب, تعدّل جلستها أمام القدر, وتبكي.. * * *
كانت صغيرة حين أجهزتْ أمها على ألعابها البدائية, ألبستْهَا ثوباً جديداً, وأدخلتْهَا على كومة من النساء.. عندما فهمَتْ, رفضَتْ, فأحرق أبوها كتبها المدرسية, وربطها بسرير حديدي حتى موعد الزفاف, يومها, علْمَتْهَا الأم ماذا تفعل, ففعلَتْ, وبقيَتْ تصارع رغبتها في الهروب إلى تلك الليلة.
كانت, وما تزال, تحب الرسم, ترسم كل يوم كل شيء, وفي خلوتها على الهضبة, حيث بيتها على سفحها القريب, ترسم مدينتها بأقلام الرصاص المتوفرة, ثم تظلِّلُها, حتى يختمها السواد.
في البيت, تقدم نفسها لزوجها طريّة مهفهفة مذعنة, وما أن يُفرغها من طيبها, حتى يأتي على لوحتها تمزيقاً, ثم يطويها تحت إبطه معها, وينام, وتنام هي مفتوحة العينين!
لا واجب الزوج, ولا واجب الأولاد يلهيها عن حبها للرسم, على الرغم من معرفة مصير لوحاتها بين يديه الملطَّختين بألوان المصبغة التي يعمل بها, والتي عوَّدتها إدراك مزاج زوجها, من تفاعله مع الألوان!
في ذات قهر, عثر على أقلامها بعد أن مزّق لوحتها, وراح يضربها, ويغرز الأقلام في جسدها, وسط صراخها, وبكاء الأطفال, يومها, تقدم بكرها ليخلِّصها, فانغرز القلم بإحدى عينيه, وفُقِئَتْ..
عاصفة شلّت البيت بمن فيه أشهراً, ثم هدأَتْ دون توازن, ومازال يجرّها إلى فراشه متى شاء, ثم يرميها كخرقة خارج غرفته, لتنام مع الأولاد.
تلك الحمى التي تتأجّج في داخلها لم تهدأ نارها لحظة واحدة, فشرعَتْ تُخرج من خلف الأبواب المثقلة بالقهر ذاتها, تحمل وجعها إلى الصخرة الكلسية على الهضبة كل فرصة, لترسم لوحة المعانات, وتتركها عليها.
* * *
يرن جرس الباب, تضع شالاً على رأسها, تُسرع الخطا نحوه, تفتحه, لتجد في الباب طفلاً صغيراً, يُسلّمها ظرفاً كبيراً, ويهرب دون أن يقول شيئاً, تغلق الباب, يثيرها منظر الظرف, تفتحه على مهل, تجد فيه قصاصات من الجرائد, وبطاقة دعوة.. ترتعد في مكانها, ثم تتجمّد كصنم منحوت بالنار.
الأمومة وحدها التي فكّت عنها ذهولها, عندما تسمع ثغاء طفلتها الرضيعة.. حليب ثديها يتدفق في الفم الهائج ليحوّل الطفلة إلى كتلة ممسوسة بالكهرباء, تهتـزّ هي معها, تقرأ, وتبكي.
ماذا تفعل الآن؟ ماذا تقول لزوجها, كيف تنجو من مشهد يحفظه جسدها عن ظهر قلب؟ كيف.. وماذا؟.. أسئلة أضرمَتْ الفوضى في عقلها المشلول, الذي انكفأ يبحث عن النجاة.
سنوات القهر علّمَتْهَا كيف تكظم حزنها وخوفها, غير أنها في ذلك اليوم كادت تنفلت من كل شيء, مشاعر مجهولة لم تفهمها نفسٌ اعتادت الكبت والقهر والحزن والخنوع.
في الليل, حين نامت المدينة, نـزعَتْ جسدها من بيتها, بعدما استوطنها فوز عظيم! ما كاد يرهبها حتى دفنتْهُ في ذاتها, و أودعتْهُ سواد أعماقها, ثم تسلَّلَتْ من بين البيوت إلى خلوتها, حيث الظلام أشدّ حزناً, فوق الصخرة الكلسية على الهضبة الصغيرة.
– لا مكان في كل هذا العالم أكثر حرية, من مكان تصْنعينَهُ بنفسكِ لنفسكِ. تنتفض حواسّها مذعورة من كلماتي, تبحث عيناها في الظلام عن وجهي, ولا تقوى على الوقوف..
– كنتُ ومازلت أراقبكِ, أعرف كل صغيرة وكبيرة في حياتك, ولقد ساعدتني أختي, التي هي جارتك وبيت سرّك, أنا أحاول دائماً أن أجعلك تشعرين بوجودي, لقد أحببتك, على الرغم من يقيني بأنك لست لي, أنا .. أنا أحبك, وأأ..
تقف قبالتي بجرأة مهزوزة, وفي شحوب وجهها المعتم قوة مجهولة, أحاول أن أفعل شيئاً أبدو فيه مقنعاً, تمسك ساعدي, تضغط عليه قليلاً, الدمع في عينيها اللامعتين يعكس أضواء مدينة مطفأة, وتقول بصوت هامس مجروح:
– لماذا فعلت بي هذا؟
– لأني أحبك..
أفلتَتْ ساعدي, جلست على الأرض منهكة, وهي تقول:
– أنت تقتلني..
– لا..لا, لقد خبأتُ لك لوحات المدينة التي تتركينها هنا, كنت تضعين في كل لوحة همّكِ, حزنك, مأساتك, كنت تحملينها آلام الإنسان. لقد استطعْتُ أن أنشر بعضها, اسمكِ الآن تحت كل لوحة, ألم تقرئي قصاصات الجرائد؟ لقد كتب النقّاد وبعض الرسّامين المهمّين كلاماً جميلاً عنك, فقرّرتُ أن أعرضها في معرض كبير دفعة واحدة, وأجمعك بهم.. أنا يا حبيبتي…
تنهض مرتعشة, تهتـزّ أمامي كشجرة هزيلة تلعب فيها الريح, تصرخ بصوت قوي, تضحك بشكل هستيري, تبكي, تضرب صدرها, تمزّق ثوبها.. لا أدري ماذا أفعل؟ صراخها المجنون أعمى بصيرتي, فهربْتُ.
* * *
فوق الصخرة الكلسية على هضبة صغيرة, صار اسمها (تلَّةُ هند) أجلس كل ذكرى, أعبّئ الكون في صدري, وأبكي..

 

*كاتب من سورية
*(اللوحة للفنان التشكيلي كرم النظامي- سورية)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى